AdvertisementSL
AdvertisementSR

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

سُليمان عبد الغفار يَكْتُب: «العَرَبْ».. والخُروج مِنَ التاريخ

الثلاثاء 13/أكتوبر/2020 - 12:06 م
صدى البلد
Advertisements


·         إذا كانَ لِقراءةِ التاريخ دَوْرِها الهام في تَشْكيلِ الوَعْي وإثْراءِ الفِكْرِ والوجْدان – فَإنَّ "فَلْسَفةِ التاريخ" تُتيحُ لَنا إمْكانيَّة تَفْسير ما يَحْدُثْ مِنْ وقائِعِ الحاضِر، ورؤْيَتِها في ضَوْءِ ما جَرَى مِنْ أحْداثِ الماضي – ولأنَّني مِنَ المُهْتَمِّين بِخِبْرَةِ التاريخ – فَضْلًا عَنِ الاهتِمام بِأوْضاعِ عالَمِنا العَرَبي أيْضًا – فَإنَّهُ يُمْكَنَني القَوْل بِأنَّ المَنْطِقَة العَرَبيَّة تَعيشُ الآن أجْواء "أنْدَلُس ثانية" الأمْرِ الذي يَدْعوني إلى استِحْضارِ المَشْهَدِ البائِس لِخُروجِ آخِر مُلوكِ الطوائِف مِنَ الأنْدَلُس، بَعْدَ تَسْليمَهُ آخِر مَعاقِل العَرَبِ المُسْلمين هُناكَ "مدينة غِرْناطة" في عام 1492م – فَقَدِ انخَرَطَ المَلِكْ "مُحَمَّد الصَّغير" الذي كانَ صَغيرًا بِالفِعْل – في بُكاءٍ مَريرٍ عِنْدَ هُروبِهِ وحاشيَتَهُ في جُنْحِ الظَلام مِنْ أَحَدِ الفَتَحاتِ بأسْوارِها – وسُرْعان ما نَهَرَتْهُ أُمُّهُ بِكَلِماتِها الغاضِبَة التي سَجَّلَها التاريخ لِتَخْليدِ مَوْقِف مِنْ مَواقِفِ الخِزْي والهَوانِ لِعَرَبْ مابَعْدِ السُقوط – بِقَوْلِها لَهُ "لا تَبْكي كالنِّساءْ على مُلْكٍ لَمْ تُحافِظْ عَليْهِ كالرِجال".


 

·         كانَ مُلوكُ الطوائِف بِالأنْدَلُس – قَبْلَ سُقوطِهِم جَميعًا في نِهايةِ الأمْر – مُنْشَغِلين في قِتالِ بَعْضِهِمُ البَعْض، فانْقَسَمَتْ البِلاد إلى "دويْلات صَغيرة" مُتصارِعة وانْتَشَرَتْ في أرْجائِها الفَوْضى التي سَهَّلَتْ على الأعْداء مُهِمَّتَهُم، فَسَقَطوا الواحِد تِلْوَ الآخَر لاسيَّما وأنَّ الكَثيرينَ مِنْهُم كانوا يَتَحالَفونَ مَعْ أعْدائِهِم ضِدَّ إخْوانِهِم وتَمَكَّنَتْ جُيوش "ألفونسو وإيزابيللا" مِنَ اسْتِردادِ بِلادِ الأنْدَلُس وطَرْدِ العَرَب والمُسْلمين واضطِهاد مَنْ بَقى مِنْهُم بَعْدِ "حضارة إسلامية زاهِرة" عاشَتْ ثَمَانية قُرون – وكانتْ الأساس الذي ارتَكَزَتْ عَليْهِ "النَهْضة الأوروبية" فيما بَعْد – والتي كانتْ مِنْ أهَمِّ نتائِجْها ظُهورِ الدُوَلِ الأوروبية على المَسْرَحِ العالَمي في العَصْرِ الحَديث، وراحَتْ تَتَطَلَّع إلى الهَيْمَنة على المَنْطِقة العَربية الإسلامية مِنْ جَديد، وعَوْدة أجواءِ الحُروبِ الصَليبية التي استَمَرَّتْ إلى ما يَقْرُبْ قَرْنَينِ مِنَ الزَمان دونَ تَحْقيق ذَلِكَ الهَدَفْ.


 

·         لَقَدْ تَعَرَّضَ المُجْتَمَعَ العَرَبي المُسْلِم على امتِداد تاريخِهِ الطَويل، لِهزَّاتٍ عَنيفة مُتَعَدِّدة مِنْ جَرَّاء "الاجتياحاتِ الخارجية" التي كانَ مِنْ أشْرَسِها "الحَمَلاتِ الصَليبية" والهَجَماتِ الكاسِحة والمُدَمِّرة "لِجحافِلِ التَتار" – وقَدْ واجَهَتْ مِصْر تِلْكَ التَهْديدات وتَمَكَّنَتْ مِنْ دَحْرِها – لَكِنَّهُ ومُنْذُ أواخِرِ القَرْنِ الثامِنَ عَشَرْ واجَهَتْ المَنْطِقة هَجْمَة غَربية شامِلة "الهَجْمة الاستِعْمارية" في ظِلِّ خُضوعِها لِلنُّفوذِ المُتَداعي لِلإمبراطورية العُثْمانية الآفِلة – كانتْ تِلْكَ الهَجْمة مِنَ الشَراسة بِأنَّها لَمْ تَقِفْ عِنْدَ حَدِّ احتِلالِ الأرض ومُمارَسة الإذلال والنَهْب – إنَّما اسْتَهْدَفَتْ بِالأساس الإطاحة بِالبِناء ِالداخِلي لِلمُجْتَمَع عَبْرَ تَشْويه قيَمَهُ والتَشْكيك في تقاليدِهِ وثوابِتِهِ – بِهَدَفِ إعادة تَشْكيلِهِ على نَحْو يُفْقِدُهُ اسْتِقْلالَهُ وقُدْرَتَهُ على المُقاوَمة لِضَمان تَهْميشَهُ وتَبَعيَّتَهُ – ومِنْ ثَمَّ فَقَدْ مَثَّلَتْ هَجْمة "العَلْمَنة الغَربية" أكْبَر تَحَدِّي لِلمُجْتَمَعِ العَرَبي المُسْلِم وقَدْ تَمَكَّنَتْ مِنْ إصابة بُنْيانَهُ بِأشَدِّ الأخطار التي لَمْ يَبْرَأْ مِنْها – وإنَّما تَزداد مَخاطِرَها مَعَ الأيَّام.

 

 

·         تَحْتَ عُنْوان "الخُروج الثاني لِلعَرَبْ مِنَ التاريخ" كَتَبَ الأُسْتاذ الدُكتور/ مُصْطفى كامِل السَيِّد أُستاذ العُلومِ السياسية بِكُليَّةِ الاقتِصاد – جامِعة القاهِرة – ومؤَسِّس مَرْكَز "شُرَكاءِ التَنْمية" (مقالًا) غاية في الأهمية بِصَحيفة "الشُروق" المَصْرية الصادِرة في الثاني مِنْ فِبْراير2020م – أشارَ فيهِ إلى تَدَهْور الأوضاعِ العَرَبية في الآوِنة الراهِنة – وكيْفَ أنَّ مَراحِل خُروجِ العَرَب مِنَ التاريخ قَدْ تَعَدَّدَتْ – بِدايةً مِنْ سُقوط بَغْداد التي اجتاحَتِها جَحافِل المَغول سَنَة 1258م – وانْتِقال مَقَرِّ الخِلافة العبَّاسية الصورية إلى القاهِرة في حِماية دَوْلة المَماليك التي كَسَرَتْ شَوْكَتَهُمْ في "عين جالوت" – وأيْضًا خُروجِ العَرَبْ المُسْلمين مِنَ الأنْدَلُس بَعْدَ سُقوط "غِرْناطة" آخِر المَمالِكِ العَرَبية هُناك – وعَوْدَة الحُكْمِ الأسْباني إليْها مِنْ جَديد – فَضْلًا عَنْ سيْطَرةِ الامبراطورية العُثْمانية على أغْلَبْ أرْجاءِ الوَطَنِ العَرَبي خِلالِ الرُبْعِ الأوَّل مِنَ القَرْنِ السادِسَ عَشَرْ – وصولًا إلى مَرْحَلة السَيْطَرة الاستعمارية الأوروبية على العالَمِ العَرَبي مُنْدُ أواخِرِ القَرْنِ الثامِنَ عَشَرْ – ومَعْ بِداية الصَحْوَة العَرَبية وعلى امتِدادِ النِصْفِ الأوَّل مِنَ القَرْنِ العِشْرين وباتِباع أساليب مُتَعَدِّدة مِنَ الاجتِهادِ الفِكْري في مُقاومة السَيْطَرة الغَرْبية، إلى تَبَنِّي أساليبِ النِّضالِ السياسي السِلْمي والعَسْكَري سَعْيًا إلى تَحْقيق الاستِقلال – فَدَخَلوا التاريخ كَصانِعين لِمُسْتَقْبَلِهِم بِإرادَتِهِم، ورُبَّما كانتْ المَرَّة الأخيرة التي شَهِدَتْ على الصَعيدِ العالَمي قُدْرَة العَرَب مُجْتَمِعين على أنْ يَكونوا صُنَّاعًا لِلتاريخ في حَرْبِ أكتوبَر 1973م – التي جَسَّدَتْ فِعْلًا عَرَبيًا عَسْكَريًا وسياسيًا واقتصاديًا يُقاوِم السَيْطَرة الاسرائيلية على أراضٍ عَربية، ويَتَحَدَّى أيْضًا نُفوذِ الشَرِكاتِ الرأْسِمالية الغَرْبية التي تَتَحَكَّم في أهَمِّ مَصادِرِ الطاقة والدَخْلِ في المَنْطِقة العَرَبية – مِنْ خِلال قَرارات رَفْعِ أسْعارِ البِتْرول أوِ الخَفْضِ التَدْريجي لإنتاجِه – إنَّما لِلأسَفِ الشَديد انْفَرَطَ عِقْدِ الدُوَل العَرَبية، و دَبَّتِ الخِلافات بَيْنَهُم – فَضاعَتْ مِنْهُم فُرْصة الاستِقلال تارِكينَ مَصيرَهُم تُحَدِّدَهُ قوى خارجية – فَباتوا عُرْضة لِلتَهْميشِ والخُروجِ مِنَ التاريخ مِنْ جَديد.


 

·         العَوْدة لِلتاريخ مَرْهونة بِشُروطِها – إنَّما الشَرْطِ الأساسي لِصناعة التاريخ في القَرْنِ الحادي والعِشْرين هوَ السَعْي لِامتِلاك ناصيةِ العِلْمِ والتُكنولوچيا، فَلْيَتَعَلَّم العَرَب مِنَ الهِنْد والصين مِنْ أصْحابِ الحضاراتِ العَريقة، فَهُما الآن يُساهِمان – لَيْسَ فَقَطْ في تَشْكيل حاضِر ومُسْتَقْبَل شَعْبَيْهِما – وإنَّما في تَشْكيل حاضِر ومُسْتَقْبَل العالَم بِأْسْرِه – وعلى العَرَب أنْ يُدْرِكوا أنَّ أي عَمَل عَرَبي فَرْدي بَديلًا عَنْ العَمَل العَرَبي العام لاقيمَةَ لَهُ – لأنَّ أعْمالَهُم المُتَفَرِّقة هي التي أخْرَجَتْهُم مِنَ التاريخ.



·         تِلْكَ كانتْ نَصيحة الصَديق الدُكْتور "مُصْطَفى كامِلْ السيد" لِلْعَرَب إنْ أرادوا أنْ يَعودوا صُنَّاعًا لِلتاريخ مِثْلَ غَيْرِهِم مِنَ الدُّوَل والشُعوب – وإلَّا فإنَّ عَلَيْهِم أنْ يَقْنَعوا بِمقاعِدِ المُتَفَرِّجين – هذا إنْ بَقيَتْ لَهُم – فَلَمْ تَعُدْ أمامِ العَرَب سِوى "الفُرصة الأخيرة" قَبْلَ خُروجِهِم النِهائي مِنَ التاريخ ...!؟! – لَيْتَهُم  يُعيدونَ قِراءة "دروسِهِ المُفيدة" ويَلْتَفُّونَ حَوْلَ "مِصْر" مِنْ جَديد – فانتِصار أُكتوبَر لَيْسَ بِبَعيدْ، ذَلِكَ هوَ الدَرْسِ البَليغ لِمَنْ أرادَ أنْ يَتَجَنَّب تِكْرار مِحَنْ ومآسي التاريخ.

AdvertisementS