الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

الأم في القرآن!


عندما نقرأ آيات القرآن الكريم نجد ألفاظًا تبدو مترادفة مثل الأم والوالدة، ولأن القرآن كلام وقول الله تعالى فالألفاظ دقيقة من حيث المعنى والوظيفة، ولذلك لا يمكن استبدال لفظ بمرادف له.


فالوالدة هي صاحبة البويضة والتي تم تخصيبها فحدث الحمل ثم الوضع ثم تصبح أمًا بتربيتها للمولود: (وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ) النجم 32، (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) لقمان 14، هنا نلاحظ أن القرآن الكريم يطلق مصطلح الأم على التي تحمل الجنين باعتبارها عادة ستقوم بتربية المولود.


في تناول القرآن الكريم لموضوع الأم نجد في القصص القرآني أن الله تعالى أوحى إلى أم النبي موسى عليه السلام والتي خافت عليه وهو مولود من أن تنتهي حياته بالموت ذبحًا على يد جنود فرعون.


سورة القصص مدى فساد فرعون واستضعافه لطائفة من سكان مصر يذبح أبناءهم ويستحل نساءهم، وفي المقابل يقضي التدبير الإلهي بنجاة المستضعفين واهلاك المفسدين عن طريق نجاة طفل من أبناء المستضعفين من قرار الذبح الفرعوني، ولكن التدبير الإلهي يجعل فرعون نفسه هو الذي يقوم برعاية الطفل وتنشئته ليكون هلاك فرعون وجنده على يده: (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأنفال 30).


ويبدأ تنفيذ التدبير الإلهي بالوحي إلى أم موسى الخائفة على حياة رضيعها بأوامر ثم وعد من الله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) القصص 7، فأمر الرضاعة معروف لا يحتاج لوحي ولكن الهدف منه أن يتعود الرضيع على لبن أمه وعلى دفء أحضانها قبل أن يفارقها، بعد ذلك أمرها بأن تلقيه في ماء النيل ولأنه من الطبيعي أن تخاف من مجرد الفكرة فالوحي يطمئنها حتى تثق في نجاة ابنها الرضيع.


وكان الوعد الإلهي لها بأن يرجع الطفل الرضيع لأحضانها آمنًا مطمئنًا وأن يعيش ويصبح رسولًا نبيًا، وأهمية التصريح بما ينتظر المولود من مستقبل يكون فيه رسولا هو تأكيد الطمأنينة للأم، ولتعلم أنه طالما سيكون ابنها نبيًا مرسلًا فان الله تعالى لن يتخلى عنه.


ثم يقول تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) القصص 10-11، وظلت الأخت تتابع الأخبار فعلمت أن الرضيع رفض المرضعات بعد أن تعود على صدر أمه، وهنا تقترح الأخت تقديم مرضعة جديدة هى أم موسى: (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ. فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) القصص 12-13.


ومن هنا فقد يكون للإنسان أكثر من أم، أم والدة وأم مربية، وقد تجتمع الاثنتان في امرأة واحدة، ولهذا نجد تحريم النكاح في القرآن الكريم شمل الأم لأن الوالدة من المحارم أصلًا: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) النساء23، وتعتبر آيات القرآن الكريم المرضعة أمًا وتعدها من المحارم: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ) النساء23، وزوجات النبي عليه الصلاة والسلام: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب 6، تم اعتبارهن أمهات للمؤمنين ولذلك تم تحريم الزواج منهن: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) الأحزاب 53.


فالفرق بين الوالدة والأم هو من الناحية المادية لا بد للمولود من والدة، ومن ناحية التربية والرعاية والتنشئة لا بد له من أم: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) طه 40، ونفهم أن أم النبي موسى عليه السلام كانت والدةً بالولادة، وأمًا بالرضاعة والتنشئة، هذه السيدة كانت مثالًا للإيمان بالله تعالى، وهى التي أنجبت اثنين من الأنبياء موسى وهارون عليهما السلام.