التلاقي بين الخطاب الديني والخطاب الفني، أمر لابد منه في التوعية الصحيحة والسليمة وسيكون له نتائج مبشرة للأجيال المقبلة، ولا يقل عنه أهمية تلاقي الخطاب الروحي، مع الخطاب الفني، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي في مداخلة هاتفية مع الإعلامية عزة مصطفى، مقدمة برنامج «صالة التحرير» عبر قناة «صدى البلد»، حيث قال إن الحديث عن تجديد الخطاب الروحي أمرًا مهمًا، وأنه داعمًا لأي عمل فني لتجديد الخطاب الروحي اعلى مستوى الدولة داخل مصر، مشددا على أن الإعلام والثقافة لهم أولوية لدى الدولة، معبرا عن دعمه للكاتب والسيناريست عبدالرحيم كمال في تقديم عمل فني ضخم عن الخطاب الروحي والتاريخ المصري، مؤكدا دعم الدولة وتحملها للتكلفة، لأنه من الصعب أن يتحمل منتج تكلفة عمل ضخم قد لا يحقق ربحًا كبيرًا.

مفهوم الخطاب الروحي والبحث عن الجذور
هو خطاب مصدره القلب والفكر والروح، بهدف تغيير مفاهيم وقيم ومعتقدات خاطئة، ويتعامل مع جذور المفاهيم وليس سطحيتها، ويحتاج لمزيد من الوعي، ولا يحتاج إلى منبر، خاصة أن الروح تهفو للجمال والفن، ومعرفة أن الفن لا يضمر شرا للدين، وعندما يطالب الرئيس بتجديد الخطاب الروحي، فهو يعني الدخول الى الروح مباشرة وتغيير المفاهيم والقيم، أي يجدد المواطن روحه ويعمل على تغيير المفاهيم الخاطئة المترسخة داخله، ولا تتناسب مع وعي المجتمع السليم الذي يمتلك جذور ثقافية وتراثية عميقة.

ويعد تجديد الخطاب الروحي من القضايا التي بدأ الاشتغال عليها، لما له من دور في تشكيل الوعي الفردي والجماعي، كما يعتبر من أهم العناصر التي ساهمت في قيام الحركات الاجتماعية لارتباطه المباشر بالمكنون الداخلي والروح، مبتعدا عن الشكل الخارجي السطحي، وهو ما نتج عنه ظهور دراسات وآراء متباينة، راح بعضها يفسر، وبعضها يبرر، بينما طرح البعض فكرة تجديد الخطاب الروحي سبيلا وعوضا عن الدخول في جدل حول تجديد الخطاب الديني.
علماء الدين وتجديد الخطاب الروحي
لأن تجديد الخطاب الروحي يحتاج إلى تغيير العديد من المفاهيم المغلوطة والثابتة داخل وجدان المواطن، كان لرجال الدين دور في توضيح تلك المفاهيم وتنوير العقول حتى يتسنى لها البحث في جذور الروح.

الدكتور إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أوضح أن تجديد الخطاب الديني والإفتائي والروحي أصبح ضرورة ملحة في واقعنا المعاصر، لما يمثله هذا من أهمية تدعم استقرار المجتمعات، مضيفا أنه منذ أن دعا الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، ودار الإفتاء المصرية تعمل على قدم وساق من أجل القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، وظهرت ثمرات ذلك خلال السنوات الماضية في عدة مشروعات ومبادرات ناجحة نفذتها الدار، ولا ترتبط بالواقع المحلي فقط، بل يمتد أثرها إلى العالم أجمع من خلال المظلة الدولة التي أنشأتها الدار وهي الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، التي تضم علماء ومفتين من 65 دولة، اجتمعوا على أهمية التعاون من أجل ضبط بوصلة الإفتاء، وتجديد الخطاب الديني، بما يضمن استقرار المجتمعات ورقيها.
وأشار نجم، إلى أن قضية بناء الوعي المجتمعي من المهام التي أخذتها دار الإفتاء على عاتقها، خاصة فيما يتعلق بمواجهة الشائعات والمعلومات المغلوطة وتصحيح المفاهيم الدينية التي استلبتها الجماعات الإرهابية، من أجل السيطرة على عقول الناس لتحقيق أغراضهم السياسية الدنيئة، موضحا أن الدار حذرت مرارًا وتكرارًا من السير وراء المعلومات غير المنضبطة والمغلوطة التي يروجها البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويتأثر بها الكثيرين سلبًا، خاصة من فئة الشباب، واستخدمت الدار الأساليب الحديثة في مواجهة هذه الظاهرة وكذلك في بناء الوعي لدى الشباب ومن ضمن هذه الوسائل استخدام الموشن جرافيك وخدمة البث المباشر في محاولة لتصحيح المفاهيم بطريقة سهلة وميسرة، وتحصينهم من الأفكار الهدامة التي تحاول جماعات التطرف والإرهاب بثها إلى عقولهم.
من جانبه أكد الدكتور عبدالمنعم فؤاد، المشرف العام على الأروقة الازهرية، بالأزهر الشريف، أن الرئيس يحمل على عاتقه قضية الوعي الفكري والديني والروحي، منذ أن تحمل المسؤلية، وما غفل كثيرا في خطاباته ولقاءاته من التصريح أو التلميح إلى هذه القضية لأهميتها في بناء الأوطان ودورها في تقديم الدين للعالم بوجهه الصحيح، والأزهر يقوم بهذا الدور من منطلق المسؤلية الدينية والدستورية الملقاه على عاتقه، وإن كان الأزهر حقا فى مقدمة من يتولون نشر هذا الوعي، إلا أنه يحتاج إلى من يشدد به أزره في هذا الأمر، لأن مسؤلية تصحيح المفاهيم ليست مسؤلية هينة، وهذا يتطلب تحمل جميع المؤسسات للمساعدة في نشر هذا الوعي.

وأضاف أن مداخلة الرئيس يفهم منها الدعوة لهذا التلاقي والتناغم بين الجميع، وإذا كان الفن له دور كبير في تجسيد الحقائق فهذا يعني أن الخطاب الفني لابد أن يلتقي مع الخطاب الأزهري في نشر الوعي الروحي والفكري؛ فاليد الواحدة لا تصفق بمفردها، فإذا التقى الأزهر مع الفن وقدم الأزهر المادة الدينية مصحوبة بنماذج شبابية من الرعيل الأول، وتلقفها الفن ليجسدها بلغة عصرية واقعية سهلة بعيدة عن التقعر في اللغة وواضحة الألفاظ وصاحبها التصوير الفني المناسب والأشخاص الذين لهم قبول شبابي ومجتمعي وتاريخهم الفني يشهد لهم، وجدت وقعا حقيقيا في عقول الشباب، لأن المصدر لهذا العمل الإبداعي هو الأزهر، الذي لا غبار عليه لدى الشباب في مصر والعالم.
وهكذا يمكن للأزهر أن يقدم للفن نماذج مشرفة حينما يجسدها الفن بصورها اللائقة بها وبمكانتها، وسيتلف الشباب حول هذه النماذج ويتخذونها قدوة لهم في مسيرتهم الحياتية، ويصدقون منهم من ينقي الملوثات التي ملأت العقول.
البرلمان وحديث الرئيس عن تنقية الوعي
وثمن نواب برلمانيون اهتمام الرئيس السيسي الحقيقي بالأعمال الفنية، ودورها في بناء وعي المواطنين، مؤكدين أن الاهتمام الذي توليه الدولة بالفن، ليس مجرد اهتمام صوري، ولكن يتم ترجمته إلى قرارت واجرءات على أرض الواقع، حيث أن الدراما أصبحت تمس حياة المواطن، ولها دور كبير في تنشئته الاجتماعية، مشيرين إلى أن الدراما الهادفة من شأنها أن تحصن شبابنا من الأفكار المتطرفة، وتعريفهم بالقضايا الهامة ودورهم تجاه وطنهم، وهو ما دفع الرئيس للتأكيد على تقديم دعم ضخم لإنتاج أعمال فنية لبناء وعي المصريين، من خلال معاني ومباديء قيمة.