قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر: الوهم العاطفي

 عصام محمد عبد القادر
عصام محمد عبد القادر

عندما نفقد مرحلة الفهم التي تتأتى من بوابة المعرفة الصحيحة، وتقوم على تعامل صادق يظهر حقيقة القصد؛ فإن تشكيلاتنا الذهنية قد تذهب بنا لمرفأ غير مستحق؛ حينئذ نقع في فخ الغبن، وقد يصل بنا الأمر لطريق الوهم؛ حيث يتوالد لدينا شعور يقربنا من إنسان في وقت ما بني على خواء، ومع ذلك تستمر حالة الوهن العاطفي من جانب دون الآخر، أو قد يتبادل الطرفان الشعور ذاته في إطار من الجهالة لطبيعة كليهما، أو لأسباب دفعتهما إلى سرعة القرار في مواقيت بعينها.

الرغبة القائمة على نوازع مؤقتة بعيدة عن معيارية في الاختيار، وتمهل في التحليل، وتريث في القرار، تعد سببًا في خلق الوهم العاطفي؛ فمن ضل المسار، ولم يتحر الميزان، سقط في بؤرة التيه، وأنحرف عن مسالك الهدى، ووقع في بوتقة الزيف، التي لا تخرج عن حدود تفكيره؛ ومن ثم يصبح تعلقه واهناً يُثقِل القلب، وتواصله مبتور لا محالة؛ لذا لا مناص عن التمسك بماهية الاعتدال، المبني على عمق التفاهم، والفهم، والدراية، مع بعض من المعايشة، إذا ما أُتيحت وفق ضوابطها الشرعية.

توجيه البوصلة تجاه متطلباتك واحتياجاتك دون مراعاة الآخرين، يدشن حالة الوهم العاطفي محل التناول؛ حيث يفسر الإعجاب في إطار مبالغ فيه، ويتدفق للذهن هرمونات سعادة مؤقتة أو مزيفة؛ ومن ثم ترى ما لا يمت للواقع بصلة، وتتخيل ما لا ترصده عيون الآخرين وتحليل أخيلتهم، وهنا يصل الأمر لتحول العلاقة لصورة أحادية، تقوم على تفاعل يعيش المرء فيها تجربة غير متوازنة؛ إذ يتطلع أن يحقق أماني وأمنيات مخيلته على وجه التحديد.

العاطفة الموهومة طبيعتها هشة؛ يؤثر فيها الانفعال، ويحفر ثغرةً يفقدها حالة الاتزان، ويطيح ببهجتها في زمن قريب، كما أنها لا تتحمل الضغوط والتوترات، وتمحيص نوازل الزمن، وصعوبات مواقفه وملماته وتغيراته؛ ومن ثم تتعرض قسراً لحالة الانهيار في أول مطب، أو موقف، أو تماسّ مع حقيقة مؤلمة، وهنا نخشى الوقوع في الصدمة جراء خيبة الرجاء والتوقع، ناهيك عن تناقض بين الصورة المثالية وفراغية الواقع.

نشفق على من يلج بوابة الوهم العاطفي، أو يحاول أن يصنع بمحض إرادته تلك الضبابية؛ فأعتقد أن المرسى سيؤدي بالفرد لشعور مؤسف نسميه بالخذلان، الذي يمتد لمرحلة حرجة نصفها بفقدان هوية الثقة، سواءٌ في ذاته، أو الآخرين؛ فثمة صعوبة تتمثل في ضعف التمييز، وتأرجح في صناعة واتخاذ القرار، بل الوقوع في محاذير تضير برحلته الآنية والمستقبلية إزاء نتاج معاناة الوجدان، وبالطبع يؤثر هذا على صلابة الشخصية وبنيتها الداخلية، التي تنعكس سلبًا على فقه ماهية الحب والمقدرة على التفاعل مع تفاصيل الحياة.

الوهم العاطفي رغم تباين بيئاته ومسبباته؛ إلا أنه يؤسس على فلسفة الانتقائية، وهنا بداية طريق الضلال؛ إذ يعمل الإنسان على فكرة التجميل، ومنحى التجمل، وموارفة الإيجابيات في نظر الغير، وهذا يزيد الأمر تعقيدًا؛ فمنطق الكمال ليس من خصال بني البشر، ومبدأ الاعتدال صفة نبيلة تظهر بهاء المكنون والكيان؛ لكن السعي نحو فلترة الوقائع ومجريات الأحداث ومفردات التصرفات، يؤدي إلى الوقوع في بؤرة استهلاك الطاقات، واستنزاف القدرات، التي يصعب مع مرور الوقت الاستمرار فيها. 

تعالوا بنا نعمل على تهذيب سجايا العاطفة، ونعمل على صقل طاقتنا بقيم نبيلة، تولد فينا إدراكًا قويمًا، يساعد في ضبط السلوك، وتعزيز المنطق، الذي ينطلق من مبادئ تدعونا للشفافية والوضوح؛ ومن ثم نفرق بين حالات الإعجاب، وبين جوهر عاطفة مستدامة، تقوم على صدى تجربة محكمة، تصدقها واقعية المواقف، وتؤكدها شواهد الزمن، وتبرهن عنها ماهية بقاء الأثر. 

هلمّوا إلى أبواب حب صادق، يقوم على العفة، ويحفظ الكرامة، ويتوج بالطهر، ويكلل بالعلاقة المشروعة، التي تنتج ثمرات الرضا والسكينة والطمأنينة، وتقي المرء شرور العزلة، ووقت الفراغ، والسقوط في هاوية النوازع غير المشروعة؛ فلا أوطان تبني دون عقول صحيحة، وأبدان طاهرة، ترفع راية الحق، وتسعى لتعزيز سياج قيم البناء والنهضة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.