خلال المنتدى العالمي للتعليم العالي والبحث العلمي الذي عقد في ٢٠١٩ وبرؤية استباقية كعادته حذر الرئيس السيسي من أن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة ستكون ضارية بشكل أكبر على المجتمعات النامية كالمجتمع المصري، كما أكد ضرورة مشاركة الجميع في اللحاق بركب الثورة التكنولوجية الرابعة، مؤكداً أن التكنولوجيا القادمة قد تسحق أجيال كاملة وهو ما دعا الرئيس للتأكيد على ضرورة الاستعداد الكامل لهذا التطور الهائل والحاد والذي قد نعجز عن قياس أثره على الإنسان من فرط سرعته وقوته.
ورغم تعدد وتنوع التعريفات للثورة الصناعية إلا أن ما ذكره "كلاوس شواب" (Klaus Schwab) مؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum) في كتابه "الثورة الصناعية الرابعة" يعد أشملها٬ حيث يرى أن الثورة الصناعية الرابعة هي ظهور تكنولوجيا جديدة وطرق مبتكرة لرؤية العالم من حولنا والتعامل معه مما يقود إلى تغيير عميق في البعدين الاقتصادي والاجتماعي.
ومن ثم فإنه طالما هناك تكنولوجيا ستقود إلى تغيير اقتصادي واجتماعي، فإن إهمالنا لدراسة الثورات الصناعية سيجعلنا تابعين لما يحدث في العالم ويجعلنا نُفاجأ بتغيرات عالمية لم نحسب لها حساباً.
وهو الأمر الذي تداركته مصر برؤية قيادتها الحكيمة٬ حيث استطاعت في سنوات معدودة آن تحقق قفزات ملموسة نحو المستقبل لتسد فجوة رقمية متراكمة من عقود ظهرت أثارها السنوات الأخيرة في مجال الموارد البشرية بالتفاوت الحاد بين مؤهلات الخريج واحتياجات سوق العمل وهو ما تسبب في تعميق حدة البطالة خاصة بين خريجي الجامعات.
ففي هذا الصدد اتخذت مصر العديد من الخطوات المتسارعة استعدادا لإطلاق الجيل الخامس من شبكات الاتصالات، والتي عجلت باتساع نطاق إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي لحد لا يمكن للعقل البشري تصوره. ولا يمكن أن نغفل أيضاً أن جائحة كورونا قد ساهمت في تسريع تلك الخطوات، سواء على الصعيد المحلي أو العالمي في مجال الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا التعليم عن بعد والعمل من خلال المنصات.
والتحدي الضخم في ذلك السباق المصيري بين الإنسان والتكنولوجيا والذي يعتبر مسألة وجود وبقاء حالياً على مستوي التعليم والبحث العلمي والأكاديمي يتمثل من خلال طرح تساؤل ينبغي تحري الدقة في الإجابة عنه وهو:
هل يستطيع العنصر البشري مواكبة هذه الموجة من التكنولوجياً بالشكل الذي يؤهله للانخراط في مصفوفة التحول الرقمي؟
بلا شك أن التحدي الأكبر ليس هو امتلاك الكوادر القادرة على مواكبة التحولات السريعة في مجال المنصات والأمن السيبراني بل التحدي الحقيقي هو العداء التاريخي بين الإنسان وما يجهله فالإنسان عدو ما يجهل.
وعلي المستوي الأكاديمي كان من المتوقع وجود قدر ليس بالقليل من المقاومة للتعلم من خلال المنصات والمقررات الإلكترونية وهو ما لمسناه بتخوف بعض الطلاب من تعذر حصولهم علي المقررات الإلكترونية إما لعدم تدريبهم علي استخدام تكنولوجياً التعلم عن بعد أو الشكوى من ارتفاع التكلفة متمثلة في قيمة المحتوى الرقمي ذاته وقيمة خدمات الإنترنت والهواتف الذكية.
كما لوحظ بعض التخوف أيضا لدي بعض أعضاء هيئات التدريس بالجامعات إما لعدم تأهيل أنفسهم لمعالجة وتصميم المحتوي الرقمي للمقررات الإلكترونية أو لتخوف وحذر البعض من ضياع حقوقهم المادية لعدم وجود آلية قاطعة لتحصيل قيمة المحتوي الرقمي لمقرراتهم الإلكترونية والتي لا يمكن اختزالها في مجرد كتاب إلكتروني يتم وضعه علي أسطوانة مدمجة أو منصة مدفوعة مقدماً.
فالمحتوي الرقمي المطلوب في المقررات الإلكترونية لمواجهة الثورة الصناعية الرابعة هو محتوي متنوع يتضمن الأسس النظرية والتطبيقية والحالات الدراسية الواقعية التي تربط التعليم الجامعي بالواقع المحيط بالإضافة لبعض وسائل التقييم الحديثة من الاختبارات التي يتم تصحيحها إلكترونيا بشكل تفاعلي على المنصات.
وقد شكلت التحديات أنفة الذكر الاختبار الحقيقي للقدرات الكامنة للعنصر البشري علي مستوي الطلاب وهيئات التدريس في الجامعات المصرية فإما مواكبة التحول والاندماج أو التراجع والاندثار.
ومن اللفتات التي تستدعي التوقف والإشادة هي أن المجلس الأعلى للجامعات حين طرح ضرورة التحول فإنه لم يضع نمط واحداً يلزم الجامعات بتطبيقه احتراما لمبدأ استقلال الجامعات وتحفيزاً للإبداع والابتكار من جانب الجامعات كبيوت للخبرة تمتلك الكوادر البشرية القادرة علي صياغة التحول والنهوض بمجتمعاتها وفقاً للبيئة المحيطة بكل جامعة٬ بالإضافة للتأكيد علي أن التحول لن يضير أطراف العملية التعليمية ولن يمس دخول أعضاء هيئة التدريس.
وحين بدأ العام الدراسي وجدنا بعض الجامعات قد أتبعت أساليب تقليدية للتحول من خلال إتاحة المقررات على أقراص مدمجة تسدد قيمتها مع المصاريف الدراسية التي يدفعها الطلاب. وفي ظل اندثار قارئ الأقراص المدمجة في أجهزة الحاسب الحديثة تداركت بعض الجامعات الأمر بتوفير المحتوي الرقمي على منصات إلكترونية تقبل الدفع من خلال شراء أكواد للدخول عليها أو من خلال سداد القيمة بالبطاقات الائتمانية. كما أبدعت بعض الجامعات من خلال تطوير وابتكار تطبيقات علي الهاتف المحمول وتطوير نظم الدفع من خلال المحافظ الإلكترونية للهاتف المحمول.
والملاحظ أيضاً تفاوت تكلفة الحصول على المحتوي الرقمي بين الجامعات فنجد بعضها قد وفر محتوي مقارب لتكاليف الحصول علي الكتاب الجامعي وبعضها قد زاد عنه بدرجة طفيفة لمقابلة تكاليف المنصات وتشغيلها وبعضها قد خصص نسبة من الإيرادات لمساعدة الطلاب غير القادرين وبعضها قد خصص نسبة للتطوير والابتكار في مجال المنصات الرقمية.
ولا زال السباق بين الجامعات في أوله فلا يمكن حتى الآن أن نحدد من الذي سينجح في مجابهة التحدي المعرفي ومواكبة الثورة التكنولوجيا الرابعة ومن الذي سيستطيع إحداث نقلة نوعية في نظم التعلم على مستوي الطلاب وأعضاء هيئات التدريس فيما يتعلق بتداول المحتوي الرقمي للمقررات الإلكترونية٬ ومن الذي سيتعثر في ذلك.
وفي اعتقادي أن الذي سيقود الركب هو من سيستطيع الموائمة بين عنصرين أولهما: مصالح الطلاب والتي تدور أغلبها في الحصول على المحتوي الرقمي للمقرر الإلكتروني بشكل سهل يحقق متعة التعلم وبتكاليف مقاربة للكتاب الورقي. وثانيهماً: مصالح أعضاء هيئة التدريس والتي تتركز حول حصولهم على مقابل مجزي للمحتوي الرقمي لمقرراتهم الإلكترونية وضمان الحفاظ علي حقوق الملكية الفكرية.