ما نعنيه بالوجود الإنساني ليس فقط وجود البشر كنوع من الكائنات على شجرة الحياة، ليس فقط كيانهم المادي العضوي وما يحمله حمضهم النووي من صفات تميزهم عن غيرهم من الأنواع. ما نعنيه بالإضافة إلى ما سبق - وهو ضروري بلا ريب – هو الوجود المعنوي الذي يمثله الوعي وما يختص به من ذكاء وعاطفة وذاكرة ولغة وسلوك يحتكم إلى منظومة قيم، وجود يُستدل عليه بتراكمات حضارية عبر تاريخ لا تتوقف حركته، التكنولوجيا أحد أهم محركاته.
الأبحاث والدراسات لا تتوقف لتقدير تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الوجود البشري في حاضره ومستقبله، خاصة حين تسارعت خطاها واتسع مدى تطبيقاتها ليشمل كافة نواحي الحياة. والأهم من ذلك إرهاصات الغيب بما يمكن أن تتطور إليه التكنولوجيا، فيصل الذكاء الاصطناعي لمستوى ذكاء البشر في تعدد وظائفه وتراكم معارفه، ثم يتفوق ويكوّن ظاهرة خارقة تسيطر على الوجود ومن فيه!
أيضًا ظهرت الاتجاهات الفكرية تسبر حجب الغيب وتتدارس كيف سيتطور البشر إلى أفق جديد من الوجود بما تقدمه التكنولوجيا من احتمالات التفوق والارتقاء إلى مدى غير محدود، وفي مقدمة ذلك بلا جدال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
ما بعد الإنسانية
ما بعد الإنسانية (Transhumanism) هي حركة فكرية فلسفية تدافع عن تحسين أحوال البشر عن طريق تطوير وابتكار كل أنواع التكنولوجيا التي يمكنها إطالة عمر الإنسان والارتقاء بمداركه، وجعلها متاحة للجميع. والمنتمون لهذه الحركة من المفكرين يتدارسون الفوائد والمخاطر المحتملة لأي تكنولوجيا ناهضة يمكنها التغلب على القيود الطبيعية للبشر بدنيًا وذهنيًا، وأيضًا البحث في أخلاقيات استخدام هذه التكنولوجيا. وبعض من هؤلاء المفكرين يتصور أن الكائن البشري سيكون قادرًا على التحول إلى كائن خارق القوى، ما يسمونه الكائن ما بعد الإنسان. ومن موضوعات البحث التي يتناولها المنتمون لهذه الحركة؛ كيفية حماية الإنسانية من الأخطار الوجودية المتخفية في التكنولوجيا ومنها الذكاء الاصطناعي العام الذي يضاهي ذكاء البشر.
الفلاسفة المنتمون لحركة ما بعد الإنسانية ينشدون هداية البشر لطور آت من أطوار الحياة، وهم يمجدون العلم والعقل ويلتزمون بالتطور المصاحب لكل ما تنتجه التكنولوجيا من تغييرات في الحياة الإنسانية مهما كانت ثورية أو متطرفة، ولا يجدون غضاضة في أن يتطور البشر بوسائل تكنولوجية لما بعد المفهوم الطبيعي للإنسان، بل ويرغبون في حدوثه، بمعنى إعادة تصميم الجينوم الإنساني، وما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم به في السيطرة على تقنيات تنظيمه ووظائفه.
ماكينات ذكية أخلاقية؟
إذا كانت الأخلاق هي إحدى القوى المحركة الرئيسية في المجتمع البشري، فهل تظل كذلك حين تختلط الماكينات فائقة الذكاء بالبشر أو تتسيد مجتمعاتهم في مستقبل يظنه البعض منظورًا وحتمي الوصول؟ ما الذي يلزم هذه الماكينات بميزان الصواب والخطأ طالما أمنت سيطرتها على واقع الوجود الإنساني، وعرفت طريقها لضمان بقائها واستمراره بدون حد العمر أو تهديد المرض؟
مجال جديد من الأبحاث في الذكاء الاصطناعي يُسمى أخلاقيات الماكينة يتناول تصميم أنظمة اصطناعية أخلاقية من روبوتات وحواسب ذكية يمكنها أن تتصرف بخُلُق أو ما يشبه ذلك. وطُرح ما يُسمى اختبار تورينج للأخلاق لتحديد ما إذا كانت قرارات أنظمة الذكاء الاصطناعي أخلاقية أم غير أخلاقية.
ويحق للقارئ أن يتساءل أي مبادئ أخلاقية ستحكم عمل الباحثين والمصممين، وهل الإنسانية اتفقت على منظومة أخلاقية تحكم سلوكها أولًا ومن ثم سلوك الأنظمة والماكينات الذكية؟ إن نزعة الانحياز تزحف على لوغاريتمات هذه الأنظمة لأنها ببساطة تتدرب على بيانات تحتوي على هذا الانحراف، إذا سلمنا ببراءة المصممين. فمثلًا اضطرت شركة أمازون لوقف استعمال برنامج الذكاء الاصطناعي للتوظيف لأن لوغاريتماته تفضل انتقاء المتقدمين الذكور عن الإناث، والسبب في هذا الانحياز أن لوغاريتمات نظام أمازون تدربت على بيانات جُمعت على مدى عشر سنوات كان معظمها عن المرشحين الذكور، وبالتالي استوعبت نمطًا لا يتسم بالحيادية.
ولا يمكن إغفال سيطرة عمالقة التكنولوجيا الخمسة ميكروسوفت وأبل وميتا وألفابيت وأمازون على معظم البنية التحتية الحالية للحوسبة السحابية ومراكز البيانات والقدرات الحسابية العملاقة، مما يمنحهم قدرة لا حدود لها للسيطرة على مستقبل الإنسانية إذا استمر اندفاعها نحو تحقيق ذكاء اصطناعي يتفوق على ذكاء البشر.
فما لم يقدم لنا الفكر الإنساني نظرية أخلاقية يلتزم بها أبناء الأسرة الإنسانية جميعهم، تفك أغلال التكنولوجيا وإسارها المحكم حول الأبدان والعقول، فستظل أخطار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قائمة، ما يمكننا تصوره منها وما لا يمكننا تصوره.
أخطار وجودية
إذا تطور الذكاء الاصطناعي ليصل في صفاته وطريقة عمله إلى ما يماثل الذكاء الإنساني أو ما يطلق عليه الذكاء الاصطناعي العام، وفقد الإنسان سيطرته عليه والقدرة على التحكم في وظائفه، ستحدث كارثة عالمية لا يمكن تقدير عواقبها، أو قد يكون في ذلك تعويذة فناء البشرية كما حذر عالم الطبيعة النظرية الإنجليزي الراحل ستيفن هوكينج! فهل هذا الاحتمال من صنع دراما أفلام الخيال العلمي أم أنه يحمل قدرًا من منطق الواقع؟
إذا كنا نتحدث عن أخطار وجودية تحملها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في تطورها إلى مستويات فائقة، فنحن نتحدث بالضرورة عن أخطار التكنولوجيا بمفهومها الأساسي وأنماطها المختلفة، لأن كل تكنولوجيا تحمل في طياتها مع فوائدها أخطارًا على وجود الإنسان، والمثل على ذلك من العصر الحاضر تكنولوجيا النانو أو الجزيئات متناهية الصغر، وتكنولوجيا الجينات أو الهندسة الوراثية، وتكنولوجيا الفضاء وتكنولوجيا الطاقة.. ولا تختلف تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي إلا في طبيعة آثارها ومدى تأثيرها في الوجود الإنساني، أما المفهوم الأساسي للتكنولوجيا فهو ثابت منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وهو أصل بلاء الحضارة الحديثة.
ماذا يكون أخطر أثرًا على الوجود الإنساني من تزييف الواقع وخلط قيم الأشياء وتمويه الحقائق بالأباطيل؟ ما قيمة وجود البشر إذا فقدوا الوعي بحقائق الأمور والتبس عليهم تمييز الصواب من الخطأ ولم يعبأوا بمعنى وجودهم والهدف من حياتهم، ألا يعني ذلك زوال تميزهم عن بقية الكائنات واندثار صفة الإنسانية عن كيانهم العضوي؟
يتحدث التقنيون عن زمن بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي الفائق، فيقدره بعضهم بمائة عام وآخرون يقدرونه بخمسين عامًا والمغامرون من شركة أوبن أيه آي الرائدة في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يتصورون إمكانية الوصول إليه في أقل من عشرة أعوام من الآن، وكأن توقيت بزوغه هو المشكلة. هل يقصدون إثارة شهية المستثمرين وإحماء المنافسة، أم يحاولون جذب انتباه العامة بإثارة خيالهم وذعرهم؟
الخطر الوجودي للبشرية هو خطر يهدد بفناء الحياة العاقلة أو يدمر احتمالات تطورها في المستقبل، أو يعيق تقدم الحضارة الإنسانية. ومن هذا المنظور يصبح تزييف الواقع واختلال الحقيقة وما ينتج عن ذلك من انحلال أخلاقي وفقدان لمنظومة القيم الإنسانية؛ خطرًا وجوديًا قائمًا وليس احتمالًا، وكل نمط من التكنولوجيا يوفر للبشر - أفرادهم وجماعاتهم – الوسائل لتفعيل هذا الخطر، هو نمط ردئ ومدمر ما لم تُتخذ التدابير الصارمة لتقويمه وحماية الإنسانية منه، وتأتي تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في مقدمة أنماط التكنولوجيا الحديثة الأكثر إلحاحًا لفرض تلك التدابير، دون انتظار لزمن تتفوق فيه على ذكاء البشر أو تنفرد بخصال تتسامق بها على خصالهم. وهؤلاء الذين يتصورون الذكاء الاصطناعي الفائق سيعين البشر على درء الأخطار الوجودية التي قد تنجم من أنماط التكنولوجيا الأخرى، تحكمهم رؤية تقنية بحتة تأسست على المفهوم النفعي المحض للتكنولوجيا.
تكنولوجيا تُخضع المجتمع وتخدع الفرد
كيف تستوعب المجتمعات الإنسانية تكنولوجيا جديدة مثل الذكاء الاصطناعي بأطواره المختلفة حين تصطدم بالقيم والمُثل والفضائل التي تحمي كياناتها وتوفر لأفرادها الأمان والثقة في جدوى البقاء والاستمرار؟ لم تعد للأديان قوة إقناع قادرة أن تثني البشر المؤمنين بها عن تجربة الجديد من المخترعات واستمراء ما تمنحه من الراحة والدعة، والتلهف على ما تطرحه شركات التكنولوجيا من نماذج لا يقف تطورها عند حد.
وأظن أن أكثرنا واقع في شرك هذه التكنولوجيا برغبته أو رغم إرادته؛ فالتجارة الرقمية عبر المواقع الإلكترونية – على سبيل المثال - في ازدياد وقد تجاوزت ٢،٢ تريليون دولار في النصف الأول من عام ٢٠٢٣ حسب منصة "ستاتيستا" الإلكترونية المتخصصة في الإحصاء والتحليل المالي، كما أن معظم الاتصالات مع خدمة العملاء في البنوك والمراكز الطبية ومنافذ الترفيه والتثقيف وغيرها تتم من خلال المحمول عبر برامج الذكاء الاصطناعي، حيث لا تجد على الطرف الآخر من المحادثة غير صوت مصطنع ومبرمج لطرح أسئلة محددة تجيب عليها بالأرقام وتحصل على ما تبتغيه في قوالب جامدة لا حيلة لك أمامها سوى الرضوخ أو العزوف.
ومن أخطار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الحادثة أيضًا ولا تخطئها عين المتأمل زيادة عدم المساواة واتساع فجوة الثروة نتيجة التحولات الهيكلية في الاقتصاد الناجمة عن إعادة صياغة قيمة العمل. فحين تؤسس مشروعًا لشركة في الاقتصاد الرقمي، يتحيز سوق العمل في هذه الحالة لفئة محدودة تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع التكنولوجيا الجديدة التي لا يفهم طريقة عملها غالبية الأجيال السابقة لها، وبالتالي تحصل القلة الماهرة تلك على منح وجوائز سخية تحولهم إلى أثرياء، بينما الأغلبية التي لا تملك قدرات المشاركة في بناء التكنولوجيا الجديدة بالأفكار والابتكارات تغوص نحو القاع، ومن ثم تزداد عدم المساوة وتتسع الفجوة في الثروة بين الأفراد بشكل يقلص من حجم الطبقة المتوسطة التي تحمل عادة عبء الاستقرار الاجتماعي.
في تقرير لبنك شهير عن توزيع الثروة في العالم عام ٢٠١٥ – أشار إليه كلاوس شواب في كتابه الثورة الصناعية الرابعة – يتحكم في نصف ثروات العالم ١٪ من تعداده، بينما يملك النصف الفقير منه أقل من ١٪ من ثرواته، وعدم المساواة في معظم البلاد تتفاقم؛ وهو ما يزيد العنف فيها وينشر الأمراض النفسية ويضعف مستويات التعليم ويقلل متوسطات العمر.
لا يصح النظر لتطبيقات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي كمجرد وسائل تيسر الوصول لأهدافنا وتحقيق رغباتنا، فقد طغت تلك التكنولوجيا على حياتنا وكافة أنشطتنا ليصبح من الصعب استمرار الحضارة الحديثة بدونها أو تخير نمط للحياة يتحرر من إسارها، فكم ترتبك أحوالنا ويثور غضبنا إذا انقطعت خدمات الإنترنت أو الهاتف المحمول، كما برز الفضاء الإلكتروني (السيبراني) كأحد الأفرع الأساسية في الحروب الحديثة. أحكمت التكنولوجيا قبضتها على أقدار البشر فتضاءل قدر الحرية المتاح للفرد ليتخذ قرارًا لا يخضع لحيثياتها ومنطقها.
هل يمكن التحرر من قبضة التكنولوجيا؟
منذ قيام الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر لم تعد التكنولوجيا مجرد عدد وآلات يبتكرها العقل البشري لتعين الإنسان في أنشطة حياته التي تؤمن له العيش مثل الزراعة والصيد والانتقال أو في حروبه مدافعًا عما يمتلكه ومهاجمًا للاستيلاء على ما يبتغيه.. تحول مفهوم التكنولوجيا ليمثل عنصرًا أساسيًا من عناصر الحضارة الحديثة وقوة فاعلة في حياة البشر، بها تتقدم الأمم وتفرض سيطرتها على من تخلف في مضمارها بدون شفقة أو تهاون.
في القرن الحادي والعشرين تغلغلت تكنولوجيا المعلومات في حياة البشر، نمى عالم الرقمنة وتشعب، وانتشرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي كما أسلفنا القول. أضحت التكنولوجيا هي الضابط والموجه لحياة الناس الذين ضعفت فيهم إرادة الاختيار وانكمش هامش الحرية الحقيقية التي تؤسس على الحقائق الممكن إثباتها، سواء في إبداء الرأي أو أداء الفعل. هذا يعني أن التكنولوجيا تحولت من صفة المحكوم إلى صفة الحاكم ما أفقد الإنسان السيطرة على مستقبله، وأعجز ضميره عن هدايته ليميز الصواب من الخطأ، ولعل هذا ما يفسر التوجس العميق من التكنولوجيا في روح عظيم مثل غاندي الذي أنفق عمره يعلي من شأن الروح على مادية الجسد ويعتبر البحث عن الحقيقة همّ الإنسان الأول، ولم تكن التكنولوجيا في زمنه قد أوقعت الإنسانية في قبضتها أو اجترأت على حياة البشر بالقسوة والسفور كما هو الحال الآن.