قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

خالد الشناوي يكتب: عفاريت اليوم و عفاريت الأمس

خالد الشناوي
خالد الشناوي

كانت اللمبه الجاز هي وسيلتنا في بداية ثمانينات القرن الماضي حين تنقطع الكهرباء عن القرية أو كان كلوب جدي رحمه الله صاحب محل البقاله والتموين الشهير في قريتنا الكبيره بسنتواي كان الكلوب هذا هو وسيله اضاءه عباره عن جسم معدني فضي مستدير الشكل مع زجاج من الأعلى بداخله رتينه وهي عباره عن قطعة من القماش الخفيف قابله للاشتعال مع السيبرتو الوقود المعد لتشغيل هذه الوسيله البدائيه البسيطه و مكبس في جانب الكلوب يطلق عليه البلف يتم إدخاله واخراجه مرات كثيره متواليه كي يتم الاشعال وزيادة النيران بداخله ومن ثم قوة الإضاءة.

كان وسيلة اناره و في ذات الوقت وسيلة تدفئه للجو لاسيما في فصل الشتاء. كانت مندرة بيت العائلة القديم تطل على الشارع وكان المطر لا يكاد ينقطع أياما واسابيع طويلة مع صوت الرعد والبرق المخيفين وكان التيار الكهربائى دائم الانقطاع عن القريه.

كنا صغارا نلتف حول جدتي في هذا الجو البارد المغيم بالمطر وبالظلام.و لا يقطع هذا الظلام الدامس سوى صوت جدتي الجميل الهادئ وهي تسرد لنا الحكايات والحواديت.

فكانت جيدة السرد بلغتها البسيطه غير المتكلفه وترانا جالسين حولها في انصات تام 
فكم قصت لنا من حكايات مذهله وغريبه عن الفرسان والسيره الهلاليه تاره وعن الصالحين تارة أخرى وكان أصعب شئ حين تحكي لنا عن النداهه والعفاريت!.

 كنا رغم تشوقنا لهذا الحديث المثير للاهتمام نرتجف خوفا ورعبا ونتلاصق فيها من جميع الجهات ونكاد نمسك بثوبها الريفي المتسع خوفا من النداهه أن تدخل علينا من الباب الخشبي أو النافذه المرتفعه ورغم هذا الخوف إلا أن حكايات جدتي كانت جميله للغايه ولها في النفس وقع خاص .
كانت النداهه في تصور جدتي العجوز هي عباره عن سيدة قبيحة الشكل تردي ملابس سوداء مع ملس كبير يشبه الطرحه حاليا مع الفرق الكبير بينهما. كانت النداهه هذه تخرج في ظلام الليل وتطرق بعض ابواب منازل القرية ويا ويل من فتح لها الباب فتأخذه وتسير به إلى نهايته المحتومه.
كانت حنفيتي المياه التي تغزي بيوت القرية بجوار المقابر من الناحيتين وكانت النساء يخرجن ليلاً لملء المياه من هاتين الحنفيتين وكانت النداهه تخرج حاملة الحلة النحاسيه فوق رأسها تتذرع بأنها تملأ المياه إلى أن تقابل فريستها سواء كان رجل أو امرأة فتطيح بهما كما تقرر جدتي!
ثم تواصل الجده سردها حين نسألها عن وصف هذه النداهه وبدقه فتقول إن رجلها أشبه بأرجل المعيز!. ثم تردف قائلة النداهه لها زوج يسمى المارد وهو كبير العفاريت!

والمارد هذا أيضاً له وصف آخر حيث أنه ينفرد طولا كلما سار إلى أن يصيب من يراه بالجنون أو المرض أو الموت فجأه!

ثم الحديث عن عفاريت المقتولين في الحوادث كيف أنهم يخرجون ليلاً ويطبلون على صفائح من الصاج تحدث ضجيجا ...!

ورغم هذا الحكي المرعب إلا أن جدتي كانت تحدثنا أيضا عن بعض قصص الانبياء والمرسلين باسلوب اقرب إلى الدراما من خلال مشاهد متعددة الجوان. ورغم حديث جدتي عن الجانبين الديني والخيالي المرعب إلا أن هذه الحواديت والحكايات ما زالت باقيه وعالقه في الذاكره ليس خوفاً من العفاريت فقد قابلنا مؤخراً في حياتنا عفاريتا من الإنس تفوق عفاريت الماضي المنصرم.

رحلت جدتي وتركت في النفس اثرا من الزمن الجميل رغم بساطته. كنا صغارا لسنا مشغولين بالحياة وهمومها كما ننشعل بها اليوم ونصارعها.

كانت ضحكاتنا بريئه لا تعرف التصنع لأنها كانت من القلب الذي لا يعرف المكر أو الخداع حتى دموعنا كانت صادقة هي الأخرى لكونها كانت تعبر عن الألم والفقد تعبيرا صادقا وحقيقيا .
كان للموت فاجعه تهز الجميع وكانت القريه كلها تحزن لفقد أحد منها رجل كان أم امرأة صغيرا كان أم كبيرا.

كنا لا نشاهد الأفراح تعلوا بالغناء والرقص بجوار ديار الموتى كما نشاهد اليوم .كان بالفعل زمنا جميلاً رغم فقره.وكانت القيم والمبادئ تسود الجميع.

أتذكر في حارتنا القديمه كان الطعام يمر على الجميع فمن يصنع طعاماً يرسل منه طبقاً على الأقل إلى جاره ثم لا يعود الطبق فارغاً بل لابد وأن يعود فيه أي نوع آخر من الطعام أو الفاكهه .
حتى امراض الناس كانت بسيطه وبقرص من الأسبرين كان الشفاء العاجل أو بوصفات شعبيه لمعظم الأمراض. 

كانت وحدة القرية الصحيه وكان بها الدكتور حامد المقدم رحمه الله وكان ريفيا بسيطا متواضعاً يعالج كل الأمراض وكان الجميع يشفى على يديه وكان حديثه عذب محبب إلى النفوس يشعر المريض براحة نفسيه فترتفع معنوياته وهذا طبيا أول العلاج.

وها نحن اليوم في رغد من العيش ولكننا ما زلنا نحن إلى الماضي من الزمن الجميل حنين ثكلى.
نعم نحن إليه وكأننا نناديه أن يعود بنا فعفاريت الأمس اخف وطأه من عفاريت اليوم.

رحلت جدتي ورحل معها الزمن الجميل فليت أيام جدتي تعود. نعم، فالذكريات تثير فينا الشجن، تثير فينا الحزن،و تعود بنا إلى الماضي الذي نرفض نسيانه أو الذي نريد نسيانه، ولكن ألا يكفي تذكرنا لها أنّها ما زالت باقية فينا وأنّ أصحابها ما زالوا معنا في قلوبنا وأرواحنا؟. ورغم ذلك إلا أنه كما تذوب الأحجار في الأحماض تذوب وتتلاشى الذكريات في الأيام والمسافات لا سيما وأن الذكريات الجمَيلة أصبحَت تأتِي على هَيئةِ وجع  ذكرياتنا، ماضينا، أشخاص مروا فيها وأصبحوا ذكرى، وأشخاص يشدون الرحال إلى عالم من البعد والاشتياق، وبين النسيان والذكرى.

رحلوا ولم يتركوا لنا سوى بقايا ماضي، عطر لا ينسى، صوت نتمناه، حضن نفتقده، صور صامتة، شوق لا يبرد، دموع لا تجف، ألم لا ينتهي، منزل خالٍ مليء بالذكريات، وثياب معلقة تقتلنا بين الحين والآخر.