كنت أقرأ القرآن الكريم كمن يصعد سلماً؛ أعرف عدد الدرجات، وأحفظ ترتيبها، لكنني لا أتذكر إن كنت قد لمست الجدران يوماً. كنت أقرأ للثواب، للبركة، للعادة. كمن يتناول طعامه يومياً دون أن يتذوقه.
القرآن هناك على الرف، نعم، نؤمن به، نقدسه، نتبرك بتلاوته في المناسبات، نسمعه في الإذاعة في الصباح، لكنه ، وبكل أسف، كان بعيداً. كان كتاباً مقدساً بامتياز، لكنه كان بعيداً عن العقل والتدبر كما تبعد التحف الزجاجية عن أيدي الزوار.
كنا نظن أن إعجازه يعني فقط أنه لا يضاهى في بلاغته، أو في إخباره عن الغيب، أو في تشريعه المحكم. لكننا لم نسأل ماذا لو كان إعجازه يكمن أيضاً في قدرته على أن يكون جديداً كل يوم؟ ماذا لو كانت معجزته الحقيقية أنه الكتاب الوحيد الذي تستطيع أن تقرأه مئات المرات، فتخرج منه في كل مرة بكتاب مختلف؟
ثم جاء هذا الكتاب" النبأ العظيم"! وهذا عنوانه، لم يأت لكي يشرح لنا القرآن، بل ليوقفنا على حافة كل آية ويسأل: ماذا ترى؟. لم يأت كي يفسر النص، بل ليجعلنا نحن من نفسره بأنفسنا، كل وفق عقله وروحه وثقافته وهمومه.
المفارقة العجيبة أن هذا الكتاب، الذي يتحدث عن القرآن، ينجح في أن يختفي تماماً أمام القرآن. إنه أشبه بالنادل الماهر الذي يقدم لك الطبق الرئيسي ثم ينسحب بهدوء، لا يريد منك أن تتذكره، يريد أن تتذكر ما قدمه. وهنا تكمن براعة مؤلفه الدكتور عبد الله دراز أن يصنع كتاباً عن كتاب، ثم يمحو نفسه منه ليتركك وجهاً لوجه مع النص القرآني وكأنك تقرأه للمرة الأولى.
ما يفعله هذا الكتاب بك أن يجعلك تدرك أن القرآن هو شبكة معقدة من العلاقات. كل كلمة هنا لها أخت هناك. كل تعبير في سورة مرتبط بتعبير في سورة أخرى. إنه نسيج كوني، كل خيط فيه يمتد ليلامس خيوطاً لا حصر لها.
قبل قراءتي لهذا الكتاب، كنت أقرأ سورة الكهف كل جمعة كعادة جميلة. بعد قراءتي له، صرت أرى في السورة أربع قصص، لكن خيطاً واحداً يربطها قصة أصحاب الكهف (الفتية الذين آمنوا واعتزلوا)، وصاحب الجنتين (المغرور بماله)، وموسى مع الخضر (طلب العلم والصبر)، وذي القرنين (الملك العادل). ما الرابط؟ الفتنة. فتنة الدين، فتنة المال، فتنة العلم، فتنة السلطة. أربع قصص في سورة واحدة، تحكي للإنسان قصة حياته كلها كيف ستفتن؟ وأين ستسقط؟ وكيف تنجو؟
هذا النوع من الربط، هذا الاستشعار بأن القرآن يحدثك أنت بالذات، هو ما يمنحك هذا الكتاب. إنه لا يعطيك معلومات، بل يعطيك طريقة نظر.
الإعجاز الذي لا تراه العين المجردة
تعلمنا في المدارس أن من إعجاز القرآن أن الله تحدى العرب بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا. لكن هذا الكتاب يأخذك إلى ما هو أبعد، لماذا عجزوا؟ ليس فقط لأن لديهم فصاحة ولم يستطيعوا مجاراته، لأن النص القرآني يحمل في طياته من الاتساع ما يجعله قادراً على مخاطبة إنسان الأمس وإنسان اليوم وإنسان الغد بنفس اللغة وبنفس الآية.
خذ مثلاً آية "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ". قبل مئات السنين، كان المفسرون يرون فيها وصفاً ليوم القيامة. واليوم، ونحن نعلم أن الجبال ليست جامدة بل تتحرك مع حركة القشرة الأرضية، نرى فيها آية كونية محكمة تخاطب عصرنا. هل هذا التفسير الجديد يلغي القديم؟ كلا. إنه يضيف إليه. النص القرآني يشبه الألماس، كلما أدرته تحت الضوء رأيت وجهاً جديداً. " النبأ العظيم " يعلمك كيف تدير الألماس.
من التلاوة إلى التدبر
الفرق بين التلاوة والتدبر كالفرق بين أن تمر بجوار حديقة غناء وأن تدخلها وتجلس تحت ظل شجرة وتتأمل تفاصيلها. التلاوة عبادة عظيمة، لكن التدبر هو الثمرة. ولطالما كنا نقرأ القرآن وكأننا نمر بجوار الحديقة بسرعة، نأخذ جرعة أكسجين سريعة ونمضي. "النبأ العظيم " يمسك بيدك ويدخلك الحديقة، ويجلسك على مقعد مريح، ويقول لك : انظر جيداً، ماذا ترى؟
خذ مثلا قصة سيدنا يوسف. كنا نقرؤها كأجمل القصص، ونبكي مع يعقوب، ونكره الإخوة، ونفرح بيوسف حين خرج من السجن وأصبح عزيز مصر. لكن هذا الكتاب يريك شيئاً آخر أن يوسف عندما خرج من السجن، لم يقل "ظلموني وسجنوني"، بل قال للرسول: "ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ". يريد أن تظهر براءته كاملة. ثم عندما اجتمع بإخوته، لم يقل "أنا يوسف" من أول لحظة، بل خطط بذكاء حتى يعيد إليهم أخاه، ثم أعاد إليهم بضاعتهم، ثم تفنن في استبقائهم. إنها قصة عن الإدارة والحكمة والصبر، وليست مجرد قصة درامية.
ربما أكثر ما يمنحك إياه هذا الكتاب هو الشعور بأن القرآن كون مواز لهذا الكون. هناك كون مادي خلقه الله، وهناك كون لغوي أنزله الله. وكما أن الكون المادي يحكمه قوانين ونظام وترابط، فالكون القرآني كذلك. وكما أن النظر في الكون المادي يزيدك إيماناً بعظمة الخالق، فالنظر في الكون القرآني كذلك. وللأسف، نحن نهمل هذا الكون الموازي ولا نزوره إلا في المناسبات، كمن يسافر إلى بلد جميل لقضاء إجازة قصيرة ثم يعود ولا يفكر في العيش هناك أو استكشافه.
هذا الكتاب يجعلك تقرر أن تهاجر إلى ذلك الكون وتسكن فيه.
لو كان هذا الكتاب مجرد تفسير آخر، لقرأته مرة واستفدت منه وخزنته في المكتبة. لكنه من الكتب النادرة التي تقرأها كلما شعرت أن علاقتك بالقرآن تحتاج إلى شحنة. إنه كالبطارية الخارجية لجهازك، تضعه عندما تشعر أن الطاقة بدأت تنفد.
في كل مرة أقرأه، أكتشف أنني في القراءة السابقة لم أكن قد فهمت كل شيء. ليس لأن الكتاب غامض، بل لأنني أنا من تغيرت. تجاربي الجديدة، همومي الجديدة، أسئلتي الجديدة، كلها تجعلني أرى في الكتاب ما لم أره من قبل. والكتاب نفسه يظل كما هو، لكني أنا من أصبحت مختلفاً. وهذه علامة النص العظيم أنه لا يتغير، لكنه يتسع لك كلما كبرت.
النقد الذي لا يقال
لكن لا يمكن لكاتب مخلص أن يكتب عن هذا الكتاب دون أن يشير إلى ملاحظة نقدية. هذا الكتاب قد يسبب لك أزمة. أزمة من نوع خاص حين تقرأه، ستشعر بغصة لأنك أمضيت سنوات تقرأ القرآن دون أن تفهمه بهذا العمق. ستشعر أنك كنت كمن يملك كنزاً ولا يعرف قيمته. ستسأل نفسك: لماذا لم يخبرني أحد بذلك من قبل؟ لماذا كل هذه السنوات ونحن نردد الآيات وكأنها تعاويذ سحرية دون أن نفهم معناها الحقيقي؟
وقد يدفعك هذا الشعور إلى الغضب أحياناً. غضب على من ربوك على تلاوة القرآن دون تدبره. غضب على نظام تعليمي جعلك تحفظ وتجود وأنت لا تفقه معنى ما تردد. لكن هذا الغضب، إن كان بناء، سيتحول إلى شغف. شغف باكتشاف بقية الآيات، وبقية السور، وبقية الكون القرآني.
بين الأمس واليوم
منذ قرون، كان علماء المسلمين يتفننون في تفسير القرآن. كانوا يجلسون في حلقات الدرس، يتناقلون الأسانيد، يشرحون المفردات. وكان هذا كافياً لعصرهم. لكن عصرنا مختلف. عصرنا يعج بالمشتتات، بالصور السريعة، بالمعلومات المجزأة. نحتاج من يعيد ربطنا بالقرآن بطريقة عصرية، بلغة يفهمها جيل "الإنستجرام" و"التيك توك". وهذا الكتاب يفعل ذلك، دون أن يبتذل النص أو يخفض من قيمته.
إنه يأخذ القارئ من يده برفق، من حيث هو، بمشكلاته وأسئلته وثقافته، ويقوده إلى النص القرآني. لا يفرض عليه فهماً واحداً، بل يفتح له أبواباً متعددة. إنه كتاب ديمقراطي بامتياز، يعطيك المفاتيح ويترك لك حرية اختيار أي باب تطرق.
بعيداً عن كل الكتب، هذا الكتاب ليس كتاباً عادياً. إنه تجربة وجودية. إنه مرآة ترى فيها وجهك الحقيقي وأنت تقرأ القرآن. إنه يجعلك تدرك أن القرآن ليس كتاباً نقرأه ونتلوه فحسب، هو كتاب يُقرأنا. نحن من نُقرأ به، وتنكشف حقائقنا أمامه.
بعد أن تقرأ هذا الكتاب، لن تكون كما كنت. كل آية ستقرؤها بعد ذلك سيكون لها طعم مختلف. ستبحث عن العلاقات بين الكلمات، عن السياق، عن التكرار، عن التقديم والتأخير. ستصبح قارئاً محترفاً لكتابك المقدس.
وإذا كان لابد من كلمة أخيرة، فهي اقرأ كتاب " النبأ العظيم" ، لكن استعد. استعد لأن يتحول القرآن في حياتك من كتاب تتلوه إلى كتاب تعيشه. استعد لأن تختلف نظرتك إلى كل شيء، إلى الله، إلى الكون، إلى نفسك. استعد لأن تقع في حب القرآن من جديد، لكن هذه المرة حباً ناضجاً، حباً قائماً على الفهم لا على التقديس الأعمى.
فقط تذكر أنت على موعد مع كتاب سيغير علاقتك بالكتاب الذي أنزله الله. وبعد ذلك، سيكون كل شيء مختلفاً.