قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتـب: أزمـة أخـلاق

سيد الضبع
سيد الضبع

لم تعد بعض الوقائع التي نشهدها يومًا بعد يوم مجرد حوادث فردية عابرة، بل أصبحت جرس إنذار واضحًا يدق بقوة ليؤكد أننا أمام أزمة أخلاق حقيقية تحتاج إلى وقفة جادة من الجميع. ففي الأيام القليلة الماضية، تعددت أحداث مؤسفة تكشف عن تراجع في منظومة القيم والسلوكيات، وتطرح تساؤلات مشروعة حول ما الذي يحدث في المجتمع، وإلى أين نحن ماضون إذا استمرت الأمور على هذا النحو.

من بين هذه الوقائع، ما جرى مع الشاب الذي تم إلباسه بدلة رقص وسط حالة من السخرية والتصوير، في مشهد صادم لم يقف عند حدود الفعل نفسه، بل امتد إلى صمت المتفرجين وعدم استنكارهم لما يحدث. هذا الصمت المجتمعي أخطر من الواقعة ذاتها، لأنه يعكس حالة من الاعتياد أو اللامبالاة تجاه الإساءة للآخرين، وكأن كرامة الإنسان أصبحت أمرًا قابلًا للمزاح أو الترفيه.

وفي السياق نفسه، جاءت واقعة التحرش الشهيرة داخل أحد الأوتوبيسات لتعيد إلى الواجهة قضية لم تغب أصلًا، لكنها تتكرر بصورة مؤلمة. التحرش جريمة مكتملة الأركان، لكن الأخطر هو تكرارها في أماكن عامة يفترض أن تكون آمنة، ما يفرض ضرورة تفعيل الردع القانوني إلى جانب ترسيخ الوعي المجتمعي، لأن حماية العرض والكرامة ليست مسؤولية فرد فقط، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.

ولم تقف المشاهد الصادمة عند هذا الحد، فقد تابعنا واقعةالاعتداء على فرد أمن من أحد الملاك داخل كومباوند سكني بمنطقة التجمع، وهي واقعة تعكس خللًا واضحًا في احترام القانون، فضلًا عن تراجع قيم التعامل الإنساني بين بعض الأفراد، وكأن البعض يظن أن النفوذ أو المال يمنح صاحبه حق التجاوز


وآخر هذه السلسلة المؤسفة حادثة الأب الذي كان برفقة طفله، عندما تعالت فوقهما طلقات الخرطوش في مشهد يفتقر إلى أدنى درجات الإنسانية والمسؤولية. مثل هذه الوقائع تكشف عن حالة من التهور والعنف غير المبرر الذي يهدد الإحساس بالأمان داخل المجتمع، ويزرع الخوف في نفوس الأبرياء.

ورغم هذه الوقائع المؤسفة، فإننا نتابع يوميًا حجم الضبطيات والجهود المكثفة التي تبذلها وزارة الداخلية المصرية في ملاحقة الخارجين عن القانون، وهو ما يظهر بوضوح عبر بياناتها الرسمية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الجهود الأمنية المشكورة تؤكد أن الدولة تقوم بدورها في فرض هيبة القانون وحماية المجتمع، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التحدي الذي يتطلب تضافرًا مجتمعيًا واسعًا، لأن الأمن مسؤولية مشتركة لا تقتصر على جهة بعينها.
إن خطورة هذه الوقائع لا تكمن فقط في تفاصيلها، بل في دلالتها العامة. نحن أمام مؤشرات تستوجب مراجعة شاملة تبدأ من الأسرة والمدرسة، ولا تنتهي عند وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فالقانون وحده لا يكفي، ما لم يصاحبه وعي مجتمعي يرفض الإساءة والعنف والتنمر بكل أشكاله.

ومن زاوية دينية وإنسانية، فإن ما نراه اليوم يتناقض مع جوهر القيم التي حثت عليها كل الشرائع السماوية، وعلى رأسها الإسلام الذي جعل حسن الخلق أساسًا لصلاح المجتمعات. فقد قال النبي ﷺ: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق»، وهو توجيه واضح بأن الأخلاق ليست أمرًا هامشيًا، بل ركيزة قيام الأمم واستقرارها. كما أن تعاليم الدين شددت على صون الكرامة الإنسانية، واحترام الضعيف، ونصرة المظلوم، وعدم السكوت على الخطأ.

إن الرسالة اليوم موجهة إلى كل فرد في المجتمع: لا تكن متفرجًا صامتًا على الخطأ، ولا شريكًا في نشر الإساءة ولو بالتصوير أو التعليق. ابدأ بنفسك، وربِّ أبناءك على احترام الآخر، وادعم كل سلوك إيجابي، وارفض التنمر والعنف أيا كان مصدره. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من البيت، ثم يمتد إلى الشارع، ثم ينعكس على المجتمع كله.

كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والدعوية مطالبة بدور أكبر في إعادة ترسيخ منظومة القيم، ليس بالشعارات فقط، بل بالقدوة والممارسة والتوعية المستمرة، لأن معركة الأخلاق هي معركة وعي في المقام الأول.

إن بناء مجتمع متماسك أخلاقيًا مسؤولية مشتركة، تتطلب إعادة الاعتبار لقيم الاحترام والرحمة والانضباط، وترسيخ ثقافة عدم الصمت على الخطأ. فالمجتمعات لا تتماسك بالقوانين فقط، بل بمنظومة قيم حية يحميها الناس قبل النصوص.

وحتى يحدث ذلك، ستظل مثل هذه الوقائع ناقوس خطر يذكرنا بأن معركة الأخلاق لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها المجتمع، وأن الحفاظ على إنسانيتنا هو الطريق الحقيقي لحماية أوطاننا ومستقبل أبنائنا.