قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.عبد الرحمن النحوي يكتب: علَّمتنِي مصر

د.عبد الرحمن النحوي
د.عبد الرحمن النحوي

منذُ نزلتُ مصر قبلَ خمسَة أعوامٍ إلى يومِ النَّاس -وقد عزمتُ على الرَّحيل عنهَا-، لم أصنعْ فيها عداوةً واحدةً، فكلُّ من عرفتهُم وعرفونِي هم اليومَ أصدقائِي وإخوتِي وأحبَابي، وما أذكرُ أنِّي ظلمتُ أحداً، وما أذكرُ أنَّ أحداً ظلمنِي إلا كنتَ المبادرَ إليهِ بالاعتذَار.

- علَّمَتني مصر أنَّك تستطيعُ أن تحتوِي البشَر حينَ تفهمُ طبيعةَ كلِّ واحدٍ منهم فتتعاملَ معهُ وفقَ طبيعتِه، فإن كانَ صالحاً كسبتَ ودهُ، وإن كانَ طالحاً جنَّبك شرَّه.

- علَّمتني مصر: أن الدنيَا كبيرة جداً، وأن العقلَ البدوي القَاصر الذي يظنُّ العالمَ محصوراً في أسرةٍ أو في قريةٍ أو في مجتمَعٍ أو في طائِفة عقلٌ غير مستقيم، وأنَّ اللـه خلقنا أحراراً، وأولُ الحرِّية حرية العقلِ من القيودِ البَدوية إلى عالمٍ واسعٍ عظيمٍ يسعُ النَّاس جميعاً.

- علَّمتني مصر أنَّ العلاقات من أهمِّ أمورِ الحياة، فالإنسان كائنٌ متفاعل لا يعيشُ في جزيرة ولا حظيرَة، فلنْ يكونَ له شأن ما لمْ تكنْ علاقاتُه طيبةً مع كلِّ من يعيشُ معهم من فئَات المجتمَع: البقَّال، والنجَّار، والجزَّار، والقهوجِي، والشرطِي، والمسؤول الحكومِي، وغيرهُم.

- جالستُ في مصر: العلمَاء، والشعرَاء، والصوفِية، والسلفِية، والمسيحيينَ، والملاحِدة، وتطارَحت أحاديث القهوَة مع رجال المَال والأعمَال ورجَال البطَالة والفقر، وعايشتُ في الحارَة الدراوِيش والمجَاذيب والشَّباب العشَّاق والأطفالَ والماجِنين والمدمِنين، فعرفتُ وجوهَ الاختلافِ بين النَّاس، وسمعتُ مشاكلَهم وأمراضهم وعبادَتهم ونقاءَهم، وفيهَا رأيتُ معنى الحبِّ، ومعنَى البغض، ومعنَى السخاءِ، ومعنى البخل، ومعنَى الرَّحمة ومعنَى القسوَة، فلم تبقَ مصيبة في النَّاس إلا سمعتها، ولم يبقَ خير في النَّاس إلا رأيتهُ وخبَرته.

- علَّمتني مصر أنَّ رضى النَّاس غايةٌ لا تدرَك، ولكنَّ التعايشِ معهم يسيرٌ لمن فهمَ كيف يتعايشُ معهم، وصداقَة كل أحدٍ أسهلُ من عداوَته.

- علمَتني مصر أنِّي كالنَّاس جميعاً، لستُ بطلاً في فيلم، ولا دراً في صدَف، فَليسَ كلُّ من خالفنِي في الرأْي شرير، بل قد يكونُ على حقٍ، وقد أكونُ على باطِل.

- علمَتني مصر التعاملَ بالحكمَة مع كل مخالفٍ، وهيَ التهدئَة السياسيَة الرَّشيدة التي ألهمنَا فخامة رئيس الجمهورِية الإسلامِية الموريتانِية السيد محمَّد ولد الشَّيخ الغزواني الذي جرَّبنا أنه لا يدخلُ عليه أحد -مهمَا بلغَ من مخالفَته- إلا خرج وهو يقولُ: وجدتُ صاحبي.

علمتنِي مصرَ أموراً أخرى كثيرة: عن مفاهيمِ الحب، ومهارَات التعامُل، وسياقاتِ الإدرَاك، وفقهِ النُّفوس، وأحكامِ العصر، وهَا أنا أخرجُ عنهَا بعقليةٍ غير العقليَة التي دخلتُ بها، وفيها فهمتُ قول أبي العلاء:

النَّاس كالنَّاسِ والأيامُ واحدةٌ

والدَّهر كالدهرِ والدنيَا لمنْ غلبَا

هذا وقدْ أحببتُ مصر حباً عظيما .