تاريخ طويل قاده فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، تجاوز النصف قرن ، في خدمة الدعوة الإسلامية والإنسانية ، فمنذ حصول فضيلته على الليسانس في أصول الدين قسم العقيدة والفلسفة عام 1969، وتدرجه في الدرجات العلمية ، وقد انشغل الإمام الطيب بالجانب الفكري لكبار الفلاسفة والمفكرين ، وظهر ذلك جليا في مؤلفاته العديدة التي تجاوزت الحدود الجغرافية ، وتداولها طلاب العلم في جميع البلدان العربية والإسلامية بل والغربية، ومنذ ذلك الحين بزغ شمس الفكر الطيب في خدمة الدين والوطن والإنسانية جمعاء.
وعقب توليه المناصب القيادية، بداية من عمادة كلية أصول الدين جامعة الأزهر وكليات جامعات سعودية وقطرية ، ومنصب المفتي مرورا برئاسة جامعة الأزهر عام 2003 ، حتى وصلت كرسي مشيخة الأزهر في 19 مارس 2010 ، وقظ سيطرت العديد من القضايا الوطنية و الدينية و الإنسانية على اهتمامات شيخ الأزهر ، فسعى بجهود حثيثة نحو الشرق والغرب من خلال جولاته الخارجية لدول عديدة يخاطب من قلب منابر مؤسساتها النيابية والتنفيذية والدينية الضمائر الحية، ويتحسس أصوات العقلاء من أجل إعلاء صوت الحكمة والعقل في العديد من القضايا.
ويطالب دائما بإعلاء قيمة التعايش السلمي بين جميع البشر ، وذلك ترسيخا لصوت الحوار ليحل بديلا عن صوت السلاح ، وأطلق مبادرات عالمية في إفريقيا الوسطى للدفاع عن حقوق المظلومين والمكلومين في مبادرة “ إسكات البنادق” ، كما ساند بقوة مسلمي الروهينجا في ميانمار ، والإيجور في الصين، وغيرها من المناطق التي تزداد فيها وتيرة الإسلاموفوبيا، ولا يزال الآن يخاطب الضمائر الحية ، والمجتمع الدولي في جميع خطاباته ولقاءاته مع كبار المسؤولين من أجل القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني ، وفي القلب منهم أبناء قطاع غزة والضفة ، ويدعو للتلاحم والتكاتف من أجل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ومنذ العام الأول لفضيلته في رحاب مشيخة الأزهر وقد عكف على إحداث طفرة كبيرة في المجتمع المصري، وتحسين العلاقة بين المصريين، بأفكار عملية بعيدة عن الخطب الرنانة والابتسامات الزائفة فقرر إنشاء بيت العائلة المصرية، وذلك في يناير عام 2011، بقرار من رئيس الوزراء، وذلك بعد أن طرح الإمام الأكبر شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب الفكرة على البابا شنودة الثالث ، وتم البدء في تنفيذه رسميًا بعد موافقة البابا، بهدف توحيد النسيج الوطني المصري وتعزيز قيم التعايش والسلام بين المصريين من مختلف الأديان، ونبذ التعصب، وتعزيز التعاون بين المسلمين والمسيحيين ، ونجحت تلك التجربة الفريدة وتناقلتها العديد من الدول، وأصبحت مصر بيت واحد يتسع الجميع.
ولم يتوقف الإمام الطيب عند هذا الحد، بل ارتفع مستوى الطموح ليصبح عابرا للقرارت ، فصال فضيلته وجال بين الدول ، وأصبح يشار إليه بالبنان ، والتقى بالعديد من القادة الدينيين والزعماء والملوك ، حتى أنتج هذا الجهد الكبير فكرة تأسيس بيت يجمع حكماء المسلمين من شتى الدول والمجالات والتوجهات الفكرية والمذهبية ، فأسس فضيلته مجلس حكماء المسلمين في أبو ظبي، بدولة الإمارات الشقيقة في 21 رمضان 1435 هـ ، الموافق 19 يوليو 2014 ، برئاسته ومقره ابو ظبي، وذلك بهدف سام آخر لتعزيز السلم والتسامح في العالم ولتوحيد جهود العلماء والمفكريز ولكن في مساحة أوسع وإطار مفتوح أمام الجميع.
زاد الشغف وتكثف الجهد لدى الإمام صاحب السبعين عاما في ذلك الوقت التي تأسس فيه مجلس حكماء المسلمين في 2014 ، واتسعت الأهداف من أجل الوصول إلى الغاية التي يسعى إليها الإمام الطيب، وهو أن يصبح مصدرا ملهما للقادة وصناع القرار ليغيروا العالم، ليصبح عالم بلا صراعات وتتوقف الحروب و شلالات الدماء التي تسال هنا وهناك.
وظل الإمام الأكبر، لأكثر من 5 سنوات يعمل ويتجول بين الدول شرقا وغربا عابرا للقارات تارة، ومسابقا للزمن تارة أخرى، حتى توجه إلى روما ، وهناك طرق باب الفاتيكان التي تسبب في إحداث قطيعة كبيرة بين الشرق والغرب على مستوى القيادات الدينية، ظلت لسنوات في عهد بابا الفاتيكان السابق، بنديكت السادس عشر، الذي أحدث توتراً مع العالم الإسلامي بتصريحه عام 2006 الذي اقتبس مقولة قديمة تنتقد الإسلام، ما أدى لموجة احتجاجات واسعة، ورغم محاولات لاحقة لتهدئة الأوضاع، ظلت تصريحاته محل جدل.
إلى أن جاء البابا الراحل فرنسيس بابا المحبة والسلام، لتتقارب الرؤى والأهداف بين الإمام والبابا ، ومنها ولدت وثيقة الأخوة الإنسانية التي تم توقيعها في قلب العاصمة الإماراتية أبو ظبي ، في 4 فبراير 2019 بين البابا فرنسيس والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، كإعلان تاريخي لتعزيز السلام العالمي والتعايش بين الأديان والثقافات عبر الدعوة إلى الاحترام المتبادل والحوار وتقدير التنوع كحكمة إلهية، لتصبح أساسًا لمبادرات دولية مثل اليوم العالمي للأخوة الإنسانية وجائزة زايد للأخوة الإنسانية.
وبهذا النجاح الكبير الذي سمى سمو الأهداف البيلة للإمام والبابا ، قررت الأمم المتحدة باعتبار يوم توقيع الوثيقة الرابع من فبراير يوما عالميا للأخوة الإنسانية .
وساهم هذا التاريخ الطويل الذي تم اختزاله في سطور معدودة ، وكلمات محدودة ، والتي كان يستحق أن يكتب في رسائل علمية “ماجستير ودكتوراه”، ومؤلفات بل ومجلدات طويلة ، في وضع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب ، في مكانة عالية تحظى باحترام وتقدير من قادة دول العالم ليس المسلمين والعرب فحسب ، بل الجميع ، وليس أدل على ذلك من الشهادات الكثيرة التي قيلت في حق شيخ الأزهر الذي أعاد للأزهر عالميته وريادته ، فاستحق محبة الجميع "المؤيد قبل المعارض" للأزهر الشريف ولإمامه الأكبر وعلمائه وللمؤسسة الدينية في مصر، نرصد بعضها في المقال القادم إن كان في العمر بقية.