تحل اليوم الخميس، ذكرى رحيل الفنان الكبير حمدي أحمد، أحد أبرز الفنانين الذين جمعوا بين الموهبة الفنية والوعي الإنساني، فكان حضوره على شاشة السينما وخشبة المسرح معبرا بصدق عن قضايا المجتمع وهمومه، لم يكن مجرد ممثل يؤدي أدوارا، بل صاحب موقف ورؤية، ترك بصمة واضحة في السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، وارتبط اسمه بالأداء العميق والشخصيات التي لا تغيب عن الذاكرة.
ولد حمدي أحمد محمد خليفة في 9 نوفمبر عام 1933 بمحافظة سوهاج، ونشأ في بيئة صعيدية أسهمت في تشكيل وعيه الإنساني والاجتماعي، التحق في البداية بكلية التجارة، لكنه سرعان ما انحاز إلى شغفه بالفن، فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، وتخرج عام 1961، لتبدأ رحلته الفنية من بوابة المسرح.
في العام نفسه، انضم إلى فرقة التلفزيون المسرحية، وكانت مشاركته الأولى في عرض "شيء في صدري" من إخراج نور الدمرداش، توالت بعدها مشاركاته المسرحية في أعمال بارزة رسخت مكانته كممثل يمتلك أدواته ويجيد تقديم الأدوار المركبة، حيث شارك في أكثر من 35 مسرحية، من بينها "الرجل الذي فقد ظله 1963"، "قلوب خالية 1968"، "إزاي الصحة 1983" ، "شباب إمرأة 1987"، و"أدهم الشرقاوي 2008".
وشكلت السينما محطة فارقة في مسيرته، خاصة عندما أسند إليه المخرج صلاح أبو سيف بطولة فيلم "القاهرة 30" عام 1966، المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ «القاهرة الجديدة»، وجسد من خلاله شخصية «محجوب عبد الدايم» التي تحولت إلى رمز للانتهازية، ثم شارك بعدها في أكثر من 30 فيلما سينمائيا، من أبرزها: "الأرض 1970"، "حادثة شرف 1971"، "صاحب العمارة 1988"، "عرق البلح 1999"، "سوق المتعة 2000"، "ريش الطاووس 2008"، "الحارة 2010"، و"صرخة نملة 2011"، الذي كان آخر أعماله السينمائية.
امتد حضوره بقوة إلى الدراما التليفزيونية، حيث شارك في عشرات المسلسلات التي تجاوزت 80 عملًا، من بينها "الفارس الأخير 1978"، "علي الزيبق 1985"، "الوسية 1990"، "إمام الدعاة 2002"، "بعد الطوفان 2003"، "الظاهر بيبرس 2005"، "الحارة 2010 " و"في غمضة عين 2013 "، الذي عرض قبل رحيله بعامين، ليكون آخر ظهور درامي له.
حصد حمدي أحمد عددا من الجوائز تقديرا لموهبته، من أبرزها جائزة «أحسن وجه جديد» عام 1966، والجائزة الأولى في التمثيل عام 1967 من جامعة الدول العربية عن دوره في فيلم «القاهرة 30»، وجائزة عن فيلم «أبناء الصمت»، وظل يحتفى به كأحد رموز الأداء الصادق في السينما المصرية.
وإلى جانب عمله الفني، تولى أحمد منصب مدير المسرح الكوميدي عام 1985، وأسهم في تطوير الحركة المسرحية، كما خاض العمل السياسي، وانتخب عضوا بمجلس الشعب عام 1979 عن دائرة بولاق بمحافظة الجيزة.
وعلى الصعيد الشخصي، كون الفنان الراحل أسرة مستقرة، وأنجب ثلاثـة أبناء: ابنته الكبرى شيرويت، رئيس تحرير أخبار بالتليفزيون، وابنته ميريت، ونجله محمود المستشار بالنيابة، وعرف عنه التزامه العائلي وهدوؤه بعيدًا عن الأضواء، وتمسكه بقيمه ومبادئه.
في سنواته الأخيرة، عانى حمدي أحمد من أزمات صحية متكررة، أبرزها الفشل الكلوي، وخضع لجلسات غسيل كلوي وتجمع مياه في الرئة، ورغم شدة المرض، ظل يتحدث بروح راضية بقضاء الله، وجهز مدافن العائلة بنفسه، إيمانا منه بحتمية النهاية واستعدادا لها.
ورحل الفنان حمدي أحمد يوم الجمعة 8 يناير 2016، عن عمر ناهز 82 عاما، وشيع جثمانه من مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر، في وداع يليق بمسيرة فنية وإنسانية حافلة، وبرحيله، فقدت الساحة الفنية فنانا مثقفا آمن بدور الفن في التنوير والتغيير، وقدم أدوارا خالدة تجاوزت الزمن، ليظل حاضرا بأعماله ومواقفه، شاهدا على أن الموهبة الحقيقية لا تموت، بل تبقى حية في ذاكرة محبيه.