قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: ما الذي يفسد العلاقات الطويلة رغم النوايا الطيبة؟

د. أمل منصور
د. أمل منصور

تبدأ أغلب العلاقات الطويلة بنوايا صادقة، بحب حقيقي، وبرغبة واضحة في الاستمرار. لا يدخل الطرفان العلاقة وهما يخططان للخذلان أو الفتور أو الإهمال. ومع ذلك، وبعد سنوات من العشرة، نجد علاقات كثيرة وقد فقدت روحها، لا بسبب خيانة صريحة، ولا بسبب حدث صادم، بل نتيجة تآكل بطيء لا يُرى، لكنه يُحسّ. هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ما الذي يفسد العلاقات الطويلة رغم حسن النوايا؟.

أول ما يفسد العلاقات الطويلة هو الاعتياد حين يتحول من طمأنينة إلى إهمال. الاعتياد في بدايته شعور جميل، يمنح الأمان ويخفف القلق، لكنه حين لا يُدار بوعي، يتحول إلى افتراض دائم بأن الآخر موجود مهما حدث، وأنه سيتفهم الصمت، ويتجاوز الجفاء، ويغفر التقصير. في هذه المرحلة لا ينسحب الحب فجأة، بل ينسحب الاهتمام أولًا، ثم تتبعه التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع الدفء. الكلمات تقل، المبادرات تبهت، والاهتمام يصبح مؤجلًا دائمًا تحت مسمى الانشغال.

ومن أكثر ما يفسد العلاقات الطويلة سوء الفهم المتراكم. ليس الخلاف في حد ذاته هو المشكلة، بل طريقة التعامل معه. في العلاقات الممتدة، لا تُحل الخلافات دائمًا، بل يُدفن الكثير منها بدافع الحفاظ على الاستقرار. ومع الوقت، تتحول هذه الخلافات المؤجلة إلى مشاعر غير معلنة، وإلى أحكام داخلية صامتة. كل طرف يبدأ في تفسير تصرفات الآخر من خلال أرشيف قديم من الجروح غير المداواة، فيكبر سوء الفهم، ويضيق هامش حسن الظن.

كذلك يفسد العلاقات الطويلة غياب الحوار الحقيقي، لا الحوار اليومي السطحي. الحديث عن تفاصيل الحياة لا يعوض غياب الحديث عن المشاعر، عن الاحتياجات، عن المخاوف، عن التغيرات الداخلية التي تطرأ على كل طرف. الإنسان لا يبقى كما هو، ومع الزمن تتبدل أولوياته، وتكبر مسؤولياته، وتتغير نظرته للحياة. حين لا تُناقش هذه التغيرات داخل العلاقة، يشعر كل طرف أنه يعيش مع نسخة قديمة من الآخر، أو أنه غير مرئي كما كان.

ومن العوامل الخفية أيضًا التوقعات غير المعلنة. في العلاقات الطويلة، يظن كل طرف أن الآخر يعرف ما يحتاجه دون أن يطلب، ويفهم ما يزعجه دون أن يشرحه. هذا الافتراض مرهق للطرفين، لأنه يضع العلاقة في اختبار دائم للفشل. فحين لا تُلبّى هذه التوقعات الصامتة، يتسلل الإحباط، ويشعر كل طرف بأنه يعطي أكثر مما يأخذ، حتى لو كان الطرف الآخر يظن العكس تمامًا.

ولا يمكن تجاهل أثر الإرهاق النفسي وضغوط الحياة. العمل، المسؤوليات، الأعباء المادية، تربية الأبناء، كلها عوامل تستنزف الطاقة العاطفية. المشكلة لا تكمن في الضغوط ذاتها، بل في تركها تسرق المساحة المخصصة للعلاقة دون مقاومة. بعض العلاقات لا تنتهي لأنها خالية من الحب، بل لأنها ممتلئة بالإرهاق، فيصبح التعب هو اللغة السائدة، ويُهمّش الاحتياج العاطفي باعتباره رفاهية.

كما تفسد العلاقات الطويلة المقارنات، سواء كانت صريحة أو خفية. مقارنة العلاقة بما كانت عليه في بدايتها، أو بما يراه الطرفان في علاقات أخرى، خاصة في عصر السوشيال ميديا. هذه المقارنات تخلق شعورًا دائمًا بالنقص، وتغفل حقيقة أن كل علاقة تمر بمراحل، وأن الاستمرار لا يعني الجمود، بل يحتاج إلى تجديد واعٍ لا إلى جلد ذاتي مستمر.

ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تحويل العلاقة إلى ساحة لإثبات من المخطئ ومن المصيب. في العلاقات الطويلة، يختلط الشعور بالحب بالرغبة في الانتصار. يصبح الاعتراف بالخطأ تهديدًا للكرامة بدل أن يكون جسرًا للترميم. هذا الصراع الخفي على السلطة العاطفية يضعف العلاقة، ويجعل كل نقاش معركة، وكل اختلاف تهديدًا للاستقرار.

كذلك يفسد العلاقات الطويلة غياب التقدير. مع الوقت، يتوقف الطرفان عن رؤية الجهد المبذول، ويصبح كل ما يفعله الآخر أمرًا متوقعًا لا يستحق الامتنان. التقدير ليس مجاملة، بل اعتراف مستمر بأن وجود الآخر ليس أمرًا مفروغًا منه. حين يغيب هذا الاعتراف، يشعر الطرفان بالوحدة رغم القرب.

وأحيانًا، تفسد العلاقات الطويلة لأن أحد الطرفين أو كليهما يتغير دون أن يسمح للآخر بالتعرف على هذا التغير. يتغير الإنسان، لكن العلاقة تبقى حبيسة صورة قديمة، فينشأ صراع بين من أصبح عليه الشخص، ومن يُتوقع منه أن يكونه. هذا التناقض يولد شعورًا بالكبت، ومع الوقت يتحول إلى برود أو انسحاب.

في النهاية، العلاقات الطويلة لا تُفسدها النوايا السيئة بقدر ما يفسدها الإهمال غير المقصود، والصمت المتراكم، والتعامل مع الحب باعتباره أمرًا مضمونًا لا يحتاج إلى رعاية. العلاقة التي تستمر لا تفعل ذلك بقوة الذكريات، بل بمرونة الحاضر، وبقدرة الطرفين على الإصغاء، والمراجعة، والتجديد. فالحب لا يموت غالبًا، لكنه يُترك وحيدًا حتى يضعف.