قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.نجلاء شمس تكتب: آيةٌ ثبّتت أمةً

د.نجلاء شمس
د.نجلاء شمس

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ ،(آل عمران: 144)، ما من آيةٍ جسّدت لحظة الوفاة النبوية كما جسّدتها هذه الآية؛ فقد تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم أن اضطربت المدينة، فكانت كأنها تُتلى لأول مرة في قلوب الصحابة، وكأن القرآن يربط على القلوب في ساعة الفقد. لم تكن الآية مجرد تذكيرٍ بحقيقة الموت، بل كانت تأسيسًا لوعيٍ جديد: الرسالة باقية، وإن غاب الرسول عن الدنيا، والنبوة خُتمت، لكن مسؤولية الأمة بدأت. ومن هنا يبدأ الفهم الصحيح لتلك اللحظة؛ لا بوصفها صدمةً إنسانية فحسب، بل انتقالًا تاريخيًا من عهد التلقي المباشر إلى عهد حفظ الأمانة.

لقد كانت تلك الساعة لحظةً يتداخل فيها البكاء بالوعي، والصدمة بالمسؤولية، والحنين بالثبات. اضطربت القلوب، وكادت المدينة أن تفقد اتزانها، حتى أنكر بعض الصحابة الخبر أول الأمر من شدة الصدمة. كان المشهد إنسانيًا بامتياز: حزنٌ جارف، وذهولٌ عميق، وقلوبٌ لم تتصور يومًا أن تُفارق نبيها.

غير أن الصورة الكاملة لا تُفهم إلا بجمع أطرافها؛ ففي خضم هذا الحزن، بدأت مسؤولية حفظ الجماعة تتشكل بوعيٍ راسخ. وهنا يخطئ بعض الطرح حين يختزل اللحظة في صورة صراعٍ سياسي، متجاهلًا الوقائع الثابتة في السيرة.

ففي الداخل، تولّى عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه مباشرةً غسل النبي ﷺ، وشاركه في ذلك العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، بحضور عددٍ من أهل بيته وخاصته، وقد جرى ذلك في حجرة عائشة رضي الله عنها، في دائرةٍ ضيقة من أقرب الناس إليه؛ خشوعٌ يليق بجلال اللحظة، ووفاءٌ لا يحتاج إلى إعلان. لم يكن الأمر انفرادًا ولا غيابًا عامًا، بل ترتيبًا ينسجم مع تقاليد تجهيز الموتى ومع خصوصية المقام النبوي.

وفي المقابل، كان الواقع السياسي في المدينة يتطلّب حسمًا يحفظ وحدة الأمة؛ إذ اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ثم حضر أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وتداولوا الأمر حتى استقرت البيعة مساء ذلك اليوم. لم يكن ذلك سباقًا إلى سلطة، بل خشيةً من فراغٍ قد يهدد وحدة الأمة في لحظة هشاشة. وقد أثبتت الأحداث اللاحقة — حين اندلعت الردة في أطراف الجزيرة — أن استقرار القيادة كان ضرورةً لحماية الكيان الإسلامي الناشئ.

ومن هنا يمكن فهم القراءة الاجتزائية التي تُصوّر المشهد على أنه تخلي أو انشغال عن النبي ﷺ. والحقيقة التاريخية تُثبت عكس ذلك بوضوح؛ فالصحابة هم الذين ثبتوا بعد وفاته، وهم الذين قاتلوا المرتدين، وهم الذين حملوا الرسالة للعالم. فلو كانوا قد تخلّوا عنه، لما حفظوا دينه، ولا ثبتت الدولة، ولا انتشر الإسلام في الآفاق.

ومن أخصّ مشاهد تلك الساعات أن الصحابة صلّوا على النبي ﷺ أفواجًا، يدخلون فيُصلّون عليه فرادى أو جماعات دون أن يؤمهم أحد، في مشهدٍ فريدٍ عُدَّ من دلائل تعظيم مقامه الشريف ﷺ. فالنبوة مقامٌ إلهي لا يعلوه مقام، وأما الإمامة السياسية فوظيفةٌ بشرية لحفظ النظام. لم تختلط القداسة بالسلطة، ولم يُزاحم المقام النبوي أي منصبٍ بشري.

وعند إعادة قراءة تلك اللحظة بعيدًا عن الإثارة، تتكشف صورةٌ متكاملة: حزنٌ صادق، تجهيزٌ كريم، صلاةٌ تعظيمًا، وحسمٌ سياسي حال دون التفكك. لم تكن المدينة يومها ساحة نزاع، بل ساحة اختبار نجحت فيه الأمة لأنها جمعت بين حرارة العاطفة وبصيرة التدبير؛ حتى لقد بكى التاريخ يومها، لكنه لم ينكسر.

وفي ليالي رمضان، حين يُتلى القرآن بخشوع، تعود الآية لتتردد في القلوب: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾. غاب الجسد الشريف، لكن المنهج بقي؛ وبقيت الرسالة أمانةً في أعناق من فهموا أن الوفاء ليس دمعةً تُذرف، بل عهدًا يُحفظ. وهكذا كتب ذلك اليوم أن هذه الأمة لا تنكسر ما دامت تعي معنى الآية؛ فهي قادرةٌ أن تجدد عهدها كلما ادلهمّتِ الخطوبُ، وأن تحبّ نبيها ﷺ حبًا واعيًا يحفظ مقامه، ويصون وحدتها، ويثبتها حين تهتزّ القلوب.