ليس التاريخ مجرد سرد لأحداث مضت، بل هو مرآة تعكس وجوه الحاضر بملامح مختلفة. ومن أعمق الدروس التي لم تستوعبها الشعوب بعد، هو درس "الخديعة المغلفة بالمنفعة".
فمنذ تلك اللحظة المفصلية التي وقف فيها أهل طروادة يهللون لانسحاب الأعداء الموهوم، محتفلين بحصان خشبي ضخم ترك أمام بواباتهم كقربان للسلام.
والسيناريو ذاته يتكرر بأدوات تكنولوجية واقتصادية أكثر دهاءً.
إننا نعيش اليوم عصر "الخيول الرقمية" و"الهدايا المسمومة" التي تدخل حصوننا الوطنية برضا تام منا، بل وباحتفاء أحياناً.
تغول الكيانات الموازية.. الثقب الأسود في ثوب التنمية
حين نلتفت إلى واقعنا المعاصر، نجد أن "خداع الهدايا" يتجسد في إنشاء كيانات اقتصادية ضخمة تحت لافتات براقة مثل التنمية المستدامة، أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، أو حماية الأمن الغذائي. هذه الكيانات، التي تُقدم للناس كطوق نجاة من الأزمات، غالباً ما تتحول إلى "خيول طروادة" من الداخل. فهي في ظاهرها تهدف للإعمار، وفي جوهرها تمتص مقدرات الدولة ومواردها بعيداً عن الرقابة الشعبية أو المساءلة القانونية.
وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يمكن لكيان موازٍ أن يبني دولة، أم أنه بالضرورة يبتلع دور مؤسساتها الرسمية؟ إن ما تكشفه التقارير والملفات المسربة حول استغلال النفوذ لتحقيق أرباح طائلة من فروق أسعار السلع الاستراتيجية، أو الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي بذريعة الاستصلاح، يعكس نمطاً جديداً من "الاستعمار الداخلي". هنا لا يحتاج العدو لاختراق الحدود، بل يكفي أن تمنحه الدولة صلاحيات واسعة تجعله يبتلع أدوار الوزارات ومؤسسات الدولة الرسمية، ليتحول الكيان الذي أُنشئ للبناء إلى معول هدم لمفهوم الدولة الوطنية والمواطنة العادلة.
الشفرة الرقمية.. كيف يسكن الجنود في هاتفك؟
لم يعد الحصان الخشبي بحاجة إلى عجلات لسحبه داخل المدن، فقد أصبح يسكن في "الخوارزميات" والمنصات التي نستخدمها يومياً. إن وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات المجانية هي أعظم "خداع هدايا" في العصر الحديث. فبينما يظن المستخدم أنه يمارس حريته في التعبير، فإنه في الحقيقة يفتح بوابات عقله وجهازه لجنود مخفيين يحللون بياناته، ويوجهون مزاجه العام، ويشعلون بذور الفتنة أو الإحباط في اللحظة التي يقررها المحرك الخفي.
وهنا نطرح سؤالاً ملحاً: هل ما زلنا نمتلك إرادتنا الحرة، أم أن عواطفنا السياسية باتت تُدار بواسطة خوارزميات عابرة للحدود؟ هذا التوجيه الرقمي هو الذي يحرك الحشود في اتجاهات قد تبدو ثورية، لكنها في العمق قد تهدف لتفكيك الروابط الاجتماعية وإسقاط مؤسسات الدولة، تماماً كما خرج الجنود من جوف الحصان الخشبي في سكون الليل ليفتحوا بوابات طروادة لبقية الجيش الغازي.
سراب القطب ووعود الرخاء.. حين يقتلنا الوهم
يرتبط "خداع الهدايا" بظاهرة "السراب" الذي طارد المستكشفين قديماً، مثل أسطورة "أرض سانيكوف" في القطب الشمالي. لقد ضحى علماء ومستكشفون بحياتهم لمطاردة يابسة لم تكن موجودة إلا في انكسارات الضوء وخداع البصر. واليوم، تُساق الشعوب وراء "أراضٍ موهومة" من الرخاء الاقتصادي الموعود عبر القروض الميسرة والمساعدات المشروطة.
فهل ندرك الفرق بين "الطموح الوطني" وبين "مطاردة السراب"؟ إن القروض التي تفتح شهية الدول للاستهلاك بدلاً من الإنتاج هي أحصنة طروادة مالية، تدخل كمنقذ وتخرج وقد سلبت الدولة استقلال قرارها السيادي وحطمت طبقتها الوسطى، محولة إياها من كيان سيد إلى كيان تابع يلهث وراء سداد فوائد الوعود المكسورة.
خاتمة: روشتة الوعي كحصن أخير
إن مأساة التاريخ لا تكمن في قوة المعتدي، بل في غياب وعي المعتدى عليه. وللخروج من فخ "خداع الهدايا"، يجب تفعيل استراتيجية وطنية تعتمد على:
سيادة المؤسسات: رفض الكيانات الموازية والتمسك بدور الوزارات والجهات الرقابية الرسمية.
الاستقلال الإنتاجي: إدراك أن الأمن القومي الحقيقي يبدأ من رغيف الخبز وسلعة الصناعة المحلية، لا من عطايا الممولين.
اليقظة السيبرانية: التعامل مع التكنولوجيا كأداة لا كقائد، وحماية العقل الجمعي من التضليل الرقمي.
إن السؤال الذي يجب أن يواجه كل مسؤول ومواطن هو: من المستفيد الحقيقي من هذه المنحة؟ إن حماية الوطن تبدأ من التشكيك في كل حصان يقف أمام بواباتنا، فالتاريخ لا يرحم المغفلين، والحرية التي تضيع بـ "هدية" لا يمكن استردادها إلا بتضحيات جسيمة.