لم يعد مصطلح “الذئاب المنفردة” توصيفًا إعلاميًّا عابرًا، بل أصبح عنوانًا لتحول عميق في طبيعة العنف السياسي المعاصر. لم تعد العمليات الإرهابية حكرًا على التنظيمات ذات البنية الهرمية الواضحة، بل برز نموذج الفرد الذي يتحرك وحده، مدفوعًا بقناعة أيديولوجية متطرفة، أو بشحنة غضب مكثفة، فيقرر أن يجعل من ذاته أداة صادمة للفعل العنيف.
في السياق المصري، لا يمكن تناول هذه الظاهرة بمعزل عن السنوات المضطربة التي عاشتها البلاد عقب عام 2011، وصولًا إلى فترة حكم محمد مرسي، ثم المرحلة التي تلتها. لقد عرفت مصر خلال تلك الحقبة حالة من الاستقطاب السياسي الحاد، وتوترًا اجتماعيًا غير مسبوق، انعكس على الخطاب العام، وفتح المجال لظهور أنماط جديدة من العنف، بعضها منظم وبعضها فردي.
شهدت البلاد خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين تصاعدًا في حدة الخطاب السياسي والديني، واحتقانًا في الشارع، تزامن مع ضعف واضح في مؤسسات الضبط المجتمعي. وبعد أحداث 30 يونيو 2013، دخلت مصر مرحلة مواجهة مفتوحة مع موجة من العمليات الإرهابية التي استهدفت مؤسسات الدولة ورجالها، خاصة في شمال سيناء، إلى جانب حوادث متفرقة داخل المدن.
في خضم هذه التطورات، برزت بعض العمليات التي حملت سمات “الذئب المنفرد”؛ أفراد لم ينتموا تنظيميًا بصورة مباشرة إلى كيان واضح، لكنهم تشبعوا بأفكار متشددة، واستلهموا خطابًا تحريضيًا، وقرروا التحرك منفردين. هذا النمط، وإن لم يكن واسع الانتشار في مصر بالقدر الذي شهدته بعض الدول الغربية، فإنه مثّل إنذارًا دالًا على خطورة البيئة المشحونة حين تتداخل السياسة بالدين، ويُترك المجال لخطابات الإقصاء والتكفير.
إن أخطر ما في الذئب المنفرد أنه لا يحتاج إلى شبكة معقدة أو تمويل كبير. يكفي شعور بالاغتراب، وإحساس بالظلم – حقيقيًا كان أو متخيَّلًا – مع تغذية فكرية مستمرة عبر منصات رقمية، حتى يتحول الفرد إلى مشروع تهديد قائم بذاته. وهنا تتجلى خصوصية التجربة المصرية؛ فالمجتمع بطبيعته المتماسكة وروابطه العائلية الممتدة شكّل، في كثير من الأحيان، حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا أمام تمدد هذا النمط، لكنه لم يكن حاجزًا مطلقًا في أوقات الاضطراب.
من الدروس التي كشفتها تلك المرحلة أن الفوضى السياسية ليست مجرد خلاف في الرؤى، بل مناخ قد يسمح بتسلل أفكار العنف الفردي. وأن الخطاب المتشدد، حتى وإن لم يدعُ صراحة إلى حمل السلاح، يمكن أن يهيئ أرضية نفسية تبرر الفعل العنيف لاحقًا. لذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تقتصر على المواجهة الأمنية، رغم ضرورتها، بل تمتد إلى إعادة الاعتبار للخطاب الديني الوسطي، وتعزيز التعليم النقدي، وبناء وعي يحصّن الشباب من الوقوع في فخ التبسيط المخل الذي يختزل العالم في معسكرين متصارعين.
التجربة المصرية خلال حكم الإخوان وما بعده تؤكد أن الاستقرار ليس مجرد شعار سياسي، بل شرط أساسي لحماية المجتمع من التحول إلى بيئة حاضنة للتطرف، سواء في صورته التنظيمية أو الفردية. كما تؤكد أن المعركة الحقيقية تبدأ من العقل؛ من القدرة على التمييز بين الاختلاف المشروع والتحريض المقنّع، وبين المعارضة السياسية والعمل العنيف.
الذئاب المنفردة ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة سياقات يمكن فهمها ومعالجتها. وإذا كانت مصر قد واجهت موجات عنف صعبة في تلك السنوات، فإن الدرس الأهم هو أن صيانة الدولة لا تنفصل عن صيانة الوعي، وأن حماية المجتمع من الذئب المنفرد تبدأ قبل أن يحمل سلاحًا؛ تبدأ حين نمنع الفكرة المتطرفة من أن تجد طريقها إلى قلب شاب يبحث عن معنى أو ينشد خلاصًا زائفًا.
ولا يمكن إغفال أن ظاهرة الذئاب المنفردة ترتبط كذلك بتحولات عميقة في بنية الاتصال المعاصر. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات للتفاعل، بل تحولت في بعض الأحيان إلى ساحات لترويج سرديات مغلقة تعيد إنتاج الغضب وتضخمه. إن الخطر لا يكمن فقط في المحتوى الصريح الداعي إلى العنف، بل في الخطاب الذي يزرع الشك الدائم، ويؤسس لفكرة أن المجتمع عدو، وأن المواجهة قدر محتوم.
كما أن تفكيك هذه الظاهرة يقتضي فهم البعد النفسي للفرد الذي يختار العزلة طريقًا، ثم يحمّل ذاته دور “المنقذ” أو “المنتقم”. في كثير من الحالات، يكون العنف محاولة لإضفاء معنى على حياة يشعر صاحبها بالفراغ أو الفشل. وهنا تبرز أهمية سياسات الاحتواء المجتمعي، ودعم الصحة النفسية، وفتح مسارات حقيقية أمام الشباب للمشاركة والإبداع بدل الانكفاء.
إن التجربة المصرية، بما شهدته من تحديات خلال تلك السنوات، تضع أمامنا حقيقة واضحة: أن تماسك المجتمع هو خط الدفاع الأول. فحين يشعر الفرد بأنه جزء من كيان أوسع، تُسمَع فيه صوته، وتُحترم فيه كرامته، تقل احتمالات انجذابه إلى خطاب يرى في الهدم وسيلة لإثبات الوجود.
وفي النهاية، تبقى الذئاب المنفردة إنذارًا دائمًا بأن المعركة ضد التطرف لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تُحسم ببناء إنسان متوازن، وفضاء عام مسؤول، ودولة قادرة على الجمع بين الحزم والعدالة. فحين ينتصر الوعي، يخسر العنف معركته قبل أن تبدأ.
نجاة عبد الرحمن تكتب: الذئاب المنفردة