لم يعد القلب في الخطاب الطبي الحديث مجرد عضو يؤدي وظيفة بيولوجية منعزلة، بل أصبح يُنظر إليه بوصفه جزءًا حساسًا من منظومة متكاملة، تتداخل فيها الجوانب النفسية والجسدية والاجتماعية. حيث تشير أحاديث الأطباء والمتخصصين في الطب النفسي الجسدي إلى أن المشاعر، وعلى رأسها الحزن الممتد، تترك أثرًا حقيقيًا على صحة القلب، لا على نحو درامي مفاجئ دائمًا، بل غالبًا عبر تراكم صامت وطويل.
الحزن في جوهره تجربة إنسانية طبيعية، بل ضرورية أحيانًا لإعادة التوازن الداخلي. غير أن المشكلة لا تكمن في الشعور بالحزن ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه. فحين يُمنع الحزن من التعبير، أو يُطالَب الإنسان بتجاوزه قبل أن يفهمه، يتحول من تجربة نفسية عابرة إلى عبء داخلي ثقيل. فالمشاعر المؤجلة لا تختفي، بل تبحث عن مسار آخر، وغالبًا ما يكون الجسد هو هذا المسار، حيث يصبح القلب أحد أكثر الأعضاء تأثرًا بها.
وتحدث الأطباء عن العلاقة الوثيقة بين الجهاز العصبي والقلب، حيث يؤدي التوتر النفسي والحزن المكبوت إلى اضطراب في توازن الهرمونات المسؤولة عن الاستجابة للضغط، ما ينعكس على ضربات القلب وضغط الدم وكفاءة العضلة القلبية. هذه التغيرات قد تبدأ خفية، لكنها مع الاستمرار تُضعف قدرة القلب على التكيّف، وتجعله أكثر عرضة للإجهاد.
ومن المنظور النفسي الاجتماعي، تتعمق المشكلة داخل ثقافة تمجّد الصلابة وتخشى الاعتراف بالهشاشة. يُربّى الفرد على الصبر الصامت، وعلى إخفاء الألم حتى لا يُفسَّر ضعفًا. ومع الوقت، يتحول هذا الصمت إلى نمط حياة، يُرهق النفس ويُثقِل القلب. فالحزن الذي لا يجد لغة يُقال بها، يتحول إلى توتر دائم، والحزن الذي لا يجد احتواءً اجتماعيًا، يتحول إلى وحدة داخلية قاسية.
لكن حديث الأطباء لا يقف عند التشخيص، بل يمتد إلى الوقاية. وهنا يبرز سؤال محوري وهو كيف نحمي القلب دون أن ننكر الحزن؟.
والحل الأول للحماية هو الاعتراف الواعي بالمشاعر. فالاعتراف لا يعني الاستسلام، بل الفهم. حين يُسمّى الحزن باسمه، يصبح أقل غموضًا وأقل وطأة. الفهم هو الخطوة الأولى لمنع المشاعر من التحول إلى عبء جسدي، وهو ما يُعيد التوازن بين النفس والقلب.
أما الحل الثاني يتمثل في التعبير العاطفي الواعي، سواء بالكلام أو الكتابة أو البكاء، ويُعد وسيلة لتنظيم المشاعر لا تفريغها بشكل عشوائي. وتشير الخبرات الطبية والنفسية إلى أن الأشخاص القادرين على التعبير عن مشاعرهم بوعي، يتمتعون بقدرة أكبر على التكيف النفسي، وبمؤشرات أفضل لصحة القلب على المدى الطويل.
كذلك تلعب العناية بنمط الحياة دورًا أساسيًا في حماية القلب من آثار الحزن. فالنوم المنتظم، والنشاط البدني المعتدل، والتنفس العميق، والممارسات الروحية أو التأملية، كلها أدوات بسيطة لكنها فعالة في تهدئة الجهاز العصبي، وتقليل الأثر البيولوجي للتوتر المزمن.
وفي نفس الوقت لا يقل الدعم الاجتماعي أهمية عن ذلك. فوجود شخص يُصغي دون أحكام، أو بيئة تسمح بالبوح دون إدانة، يُعد من أقوى العوامل الواقية لصحة القلب. فالقلب لا يتأذى من الحزن بقدر ما يتأذى من العزلة أثناء الحزن، ومن الشعور بأن الألم غير مرئي أو غير مسموع.
ليصبح القلب كأنه شاهد صامت على الطريقة التي نعيش بها مشاعرنا، لا على المشاعر ذاتها. فهو لا ينهك من الحزن العابر، بل من الحزن الذي لا يُفهَم، ولا يُقال، ولا يُحتوى. كأن القلب لا يطلب منا حياة بلا ألم، بل حياة نعترف فيها بألمنا قبل أن يترسّب في النبض.
ولعل الحكمة التي يلتقي عندها الطب والفلسفة معًا، أن القوة الحقيقية لا تكمن في القسوة على النفس، بل في الرحمة بها. فالعناية بالقلب ليست شأنًا طبيًا فحسب، بل موقفًا إنسانيًا من الحياة، يبدأ من الإصغاء الصادق لما نشعر به، ومن الإيمان بأن المشاعر ليست عبئًا يجب التخلص منه، بل لغة داخلية إن أُحسن فهمها، أصبحت سبيلًا للتوازن لا سببًا للانكسار.
وهكذا، لا يبكي القلب لأنه ضعيف، بل لأنه إنساني… والإنسان لا يشفى بالإنكار، بل بالوعي، وبالرحمة التي يمنحها لقلبه أولًا.