أكدت الدكتورة لمياء محمد، الباحثة بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف، أن كثيرًا من الشباب في بعض المجتمعات قد يشعرون بالمظلومية نتيجة البطالة أو الفقر أو الظلم الاجتماعي، مشيرة إلى أن الجماعات المتطرفة تستغل هذا الإحساس الطبيعي لدى الإنسان وتعمل على تضخيمه عبر روايات عن الظلم التاريخي أو الاستهداف الديني، بما يخلق أرضًا خصبة لاستقطابهم وتوجيههم نحو مسارات العنف والتطرف.
وأوضحت الباحثة بمرصد الأزهر، خلال تصريحات تلفزيونية، اليوم الجمعة، أن الوعي الديني السليم والفهم الصحيح للإسلام يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة هذا الاستغلال الخطير، لأن الإسلام دين يحمي الحقوق ويطالب بالعدل ويُعلي من قيمة الصبر والحكمة، لا الغضب والعنف، مؤكدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركز دائمًا على تربية النفس وتقويم السلوك، وهو ما يحمي الشباب من أي توظيف خاطئ لمشاعر الظلم.
وبيّنت أن منطق المظلومية يظهر أحيانًا في صورة شعور دائم بالضحية، ما يدفع بعض الأفراد إلى التصرف بردود فعل عنيفة أو دفاعية حتى في غياب خطر حقيقي، لافتة إلى أن المتطرفين يستثمرون فكرة “الضحية” ويجعلونها جزءًا من الهوية الشخصية أو الجماعية، بحيث يشعر الفرد أنه مطالب بالسعي للانتقام أو القوة، سواء باسم الدين أو تحت مسميات أخرى مثل القومية أو الجنس أو العرق.
وأضافت أن القرآن الكريم حذر في مواضع كثيرة من الغضب الأعمى والاستسلام لمشاعر الظلم دون تفكير، مستشهدة بقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون»، مؤكدة أن الصبر والعمل الصالح والعدل تمثل أدوات حقيقية لمواجهة الشعور بالمظلومية بطريقة صحيحة بعيدًا عن الغلو والتطرف.
وشددت الدكتورة لمياء محمد على أهمية ألا يتحول الإحساس بالظلم إلى فوضى أو عنف أو أخذ للحقوق باليد، بل يجب أن يكون دافعًا للجوء إلى الوسائل المشروعة التي أقرها الإسلام لحفظ الحقوق، مثل القضاء والجهات المسؤولة عن الفصل في الخصومات والمنازعات، حتى لا يولد الظلم ظلمًا أكبر منه.
وأشارت إلى أن شعور المظلومية قد يكون فرديًا أو جماعيًا، وأن المتطرفين يستغلون الجماعات كبيئة مناسبة لغرس هذا الشعور وتحويله إلى مبرر لأي عنف يُرتكب باسم الجماعة، مؤكدة أن المجتمعات الواعية والمتعلمة والمتضامنة يصعب اختراقها بخطاب متطرف، كما أن انتشار برامج التوعية والتعليم والتنشئة الصحيحة والتعريف بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم أسهم في تقليل معدلات التجنيد في جماعات العنف والفكر المتطرف.
وأكدت على أن منطق المظلومية يعد من أخطر الأسلحة النفسية التي يستخدمها الفكر المتطرف، لأنه يستغل مشاعر إنسانية طبيعية ويحولها إلى كراهية وعنف، مشددة على أن الفهم الصحيح للدين، والوعي بالسيرة النبوية، والصبر، والتفكير النقدي، والعمل الصالح، واللجوء للطرق المشروعة في استرداد الحقوق، والتخلي عن فكرة الانتقام، كلها أدوات فعالة لحماية الفرد والمجتمع وبناء مجتمع متوازن بعيد عن الغلو والتطرف.

