في اللحظات التي تضيق فيها الأرض بما رحبت، ويظن الإنسان أن أوجاعه بلغت سدّة المنتهى، يشرق التسليم بحكمة العلي القدير كخيط ضوء لا ينقطع، يربط قلب العبد بخالقه. إن هذا الإيمان ليس مجرد شعور عابر، بل هو الإدراك الجازم بأن الله لا يقضي أمراً إلا وفيه خير خفي، حتى وإن بدا في ظاهره نقمةً تفتك بالروح والجسد؛ كما قال الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.. صَدَقَ اللَّهُ الْعَظِيمُ}. هنا يتجلى الدستور الروحي والملاذ الآمن لمواجهة أحلك المحن؛ فمحدودية الإدراك البشري تقف عاجزة أمام شمولية العلم الرباني، وفي طيات كل شدة تكمن هبة إلهية لا يدرك سرّها إلا الصابرون الموقنون بأن الذات الإلهية العليا تدبّر ملكوتها بعناية لا تغفل وميزان لا يختل.
وعلى الجانب الآخر من العالم، وتحديداً في أروقة القضاء الإسباني، برزت قصة الشابة "نويليا" لتجسد صراعاً مريراً بين تحطم الإرادة ومرارة العجز؛ إذ قفزت من نافذة الطابق الخامس بمدينة «سان بيري دي ريبيس» الإسبانية في لحظة يأس، لم تكن وليدة الصدفة، بل تتويجاً لرحلة مضنية مع الاكتئاب نهشت روحها منذ سن الثالثة عشرة. وعندما استيقظت نويليا، لتجد نفسها في مواجهة واقع جسدي مأساوي؛ إثر تمزق حاد في النخاع الشوكي خلّف وراءه شللاً نصفياً وآلاماً عصبية مزمنة لا تهدأ. وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه يدًا تمتد لترميم انكسارها، اصطدمت بنظم اجتماعية تتبنى فلسفة مادية جافة، تشرعن لها "الموت الرحيم" كحلٍ بديل عن الاحتواء؛ فبدلاً من صيانة حقها في الحياة، فُتحت أمامها أبواب التخلي تحت مسمى الحق في الانتهاء. ورغم محاولات بعض رجال الدين الحثيثة لإثنائها عن قرارها وتذكيرها بقدسية الحياة، إلا أن مساعيهم اصطدمت بجدار من اليأس الذي ترسخ في وجدانها عبر سنوات من الفراغ الإيماني. وفي مشهد يفيض باللوعة، حاول الأب استنقاذ فلذة كبده من مخالب هذا المسار، دافعاً بأن وطأة المرض النفسي حجبت عن ابنته الرؤية السوية، لكن المحكمة العليا حسمت الجدل برفض طعنه، معتبرة إنهاء الحياة "حقاً أساسياً".
إن هذا المشهد لا يمثل مجرد إشكالية قانونية فحسب، بل هو كشفٌ مخبري لغياب اليقين في الروح التي لم تُسقَ بماء الإيمان منذ نشأتها؛ تلك الروح التي تركت مواجهة القدر لتتحول إلى رغبة في الهروب منه عبر مسوغات قانونية تبيح سلب الحياة. فالفراغ الروحي الذي يتسلل إلى وجدان الإنسان منذ صغره، هو الذي يجعل من الألم عائقاً لا يُحتمل بدلاً من أن يكون جسراً للعبور، وهو الذي يحول الروح من أمانة استودعها الخالق في الجسد إلى "عبء" يبحث صاحبه عن أي وسيلة للخلاص منه، متجاهلاً أن الحق في استرداد الوديعة لا يملكه إلا واهبها. فالروح في ميزان السماء هي السرّ الأسمى، ذكرها الله في مواضع تفيض بالهيبة؛ فهي من "أمر ربي"، والنفخة التي جعلت من آدم بشراً سوياً.
وتأسيساً على ما سبق، ندرك أن الحياة في جوهرها ليست ملكيةً خاصة نتصرف في أوراقها كيفما شئنا، بل هي نصٌّ إلهي كُتب بمداد الحكمة قبل أن نولد، وما نحن سوى قراءٍ مطالبين بإتمام القراءة حتى السطر الأخير مهما تعثرت الخطى. فالموت الرحيم الذي يروج له العالم المادي ليس سوى محاولة يائسة لتجاوز حدود التدبير الإلهي وإقحام العجز البشري في مآلات القدر؛ إذ يغفل هؤلاء أن الروح حين تتألم، لا تطلب الخروج من الجسد، بل تطلب التحرر من ضيق الأفق إلى سعة الرضا. وسيبقى الموت أعظم تجليات "الحق"، وتوقيته هو الفاصل الزمني الذي لا تملك أي محكمة أرضية زحزحته، لأن من قدّر البلاء هو ذاته الذي ادخر في طياته سر العبور نحو السلام الأبدي.