رمضان ليس شهر صيام فقط، بل شهر مراجعة. مراجعة للنفس،
وللعلاقة مع الله، ولطريقة حضورنا في حياة من نحب. وفي قلب هذه المراجعات يقف سؤال حساس يطرق أبواب البيوت بهدوء: ما معنى الرجولة؟ وهل الرجولة مسؤولية مالية فقط، أم طاقة احتواء تُشعر المرأة بالأمان، وتمنح الأبناء ظلًا لا يخيفهم؟
كثيرون تربّوا على تعريف مبتور للرجولة. رجل قوي لا يشتكي، لا يبكي، لا يطلب، لا يلين. رجل يظن أن صلابته هي رأس ماله، وأن صمته دليل وقاره، وأن انشغاله عن تفاصيل البيت هو برهان تفوقه. غير أن البيوت لا تُبنى بالصلابة وحدها، بل تُبنى بالدفء. والمرأة لا تحتاج جدارًا صامتًا بقدر حاجتها قلبًا يسمعها، ويقرأ ما بين سطور تعبها.
رمضان يعيد ترتيب الأولويات. يوقظ في النفس جانبًا روحانيًا يجعل الإنسان أكثر شفافية مع ذاته. الصائم يتعلم ضبط الشهوة، وكبح الغضب، ومقاومة الرغبة في الرد السريع. وهذه المدرسة الروحية نفسها قادرة أن تعيد تشكيل مفهوم الرجولة. فالرجل الذي يملك نفسه عند الغضب، ويختار كلمة لينة بدل كلمة جارحة، ليس أضعف من غيره، بل أقدر. القوة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الصوت، بل بقدرة المرء على أن يحتوي لحظة التوتر دون أن يحطم من يحب.
الاحتواء ليس شعارًا عاطفيًا، بل مهارة نفسية. هو أن ترى شريكتك متعبة قبل أن تعترف، أن تسألها عن حالها دون أن تنتظر منها طلبًا صريحًا، أن تفهم أن صمتها قد يكون استغاثة، وأن ضيقها ليس تمردًا بل احتياجًا. الاحتواء أن تدرك أن المرأة لا تختبر رجولتك بطلباتها، بل تختبر أمانها بقربك.
في هذا الشهر، تتغير إيقاعات البيوت. المائدة تمتلئ، الأصوات ترتفع، الطقوس تتكرر. غير أن ما يبقى في الذاكرة ليس أصناف الطعام، بل المشاعر. هل كان الرجل حاضرًا بقلبه؟ هل شارك زوجته تعب الإعداد، أو اكتفى بدور المتلقي؟ هل جلس مع أبنائه يحدثهم عن معنى الصوم، أم ترك الأمر للأم وحدها؟ هنا تتكشف ملامح الرجولة كما ينبغي أن تكون: مشاركة لا استعلاء، تعاون لا تلقين، شراكة لا وصاية.
الاحتواء في رمضان يتجلى في تفاصيل صغيرة. أن يقول الرجل لزوجته: "أعرف أنك مرهقة، دعيني أساعدك." أن يخفف من مطالبه، أن يقدّر انشغالها، أن يرى في خدمتها للأسرة جهدًا يستحق الامتنان لا واجبًا مسلّمًا به. هذه الكلمات البسيطة تصنع فرقًا نفسيًا عميقًا. المرأة التي تشعر بالتقدير تتفتح روحها، وتتحول طاقتها من أداء واجب إلى عطاء محب.
هناك رجال يظنون أن الرجولة هي السيطرة، وأن الاحتواء يهدد هيبتهم. يخافون من إظهار عاطفتهم، كأن الحنان ينتقص من صورتهم. لكن الحقيقة النفسية تؤكد أن الرجل الذي يتصالح مع عاطفته أكثر توازنًا وأقدر على القيادة. القسوة ليست علامة نضج، بل أحيانًا تكون درعًا يخفي هشاشة داخلية لم تُشف بعد.
رمضان فرصة للمصالحة مع هذا الجزء المخفي. الصائم يراجع نفسه، يستغفر، يتأمل، يهدأ. وهذه الحالة التأملية تسمح بإعادة تعريف الدور داخل الأسرة. الرجل ليس فقط مصدر دخل، بل مصدر أمان. والأمان لا يُشترى بالمال، بل يُبنى بالحضور. أن تشعر المرأة أن زوجها معها، لا فوقها. أن تشعر أنه سند، لا قاضٍ يصدر الأحكام.
الرجولة التي تحتاجها المرأة اليوم ليست رجولة الصوت العالي، بل رجولة الاحتواء. رجولة ترى في دموعها ضعفًا يستحق الرعاية، لا مادة للسخرية. رجولة تعترف بخطئها إن أخطأت، وتعتذر إن قست، وتبادر إن قصّرت. الاعتذار لا يُسقط الهيبة، بل يرفعها. لأن الإنسان الذي يعتذر يعلن أنه أكبر من كبريائه.
رمضان يعلّم الصبر. والصبر هو جوهر الاحتواء. أن تصبر على مزاج متقلب، على ضغط متراكم، على مسؤوليات متشابكة. أن تفهم أن التوتر الذي قد يصدر من شريكتك ليس رفضًا لك، بل انعكاسًا لإرهاقها. الرجل الواعي لا يأخذ كل شيء على محمل شخصي، بل يقرأ السياق، ويبحث عن السبب، ويعالج الجرح بدل أن يوسع الشرخ.
الأبناء أيضًا يعيدون تعريف الرجولة من خلال سلوك الأب. الطفل الذي يرى والده يساعد أمه، ويحترمها، ويستمع إليها، يتعلم أن الرجولة ليست تسلطًا. والبنت التي ترى أباها يحتوي أمها تكبر وهي تتوقع هذا النموذج، فلا تقبل بعلاقة تنتقص من كرامتها. هكذا يتحول الاحتواء إلى رسالة عابرة للأجيال.
في ليالي هذا الشهر، تتسع المساحة للحوار. جلسات السمر بعد الإفطار ليست ترفًا، بل فرصة لبناء جسور. الرجل الذي يفتح قلبه لأسرته، ويشاركهم مخاوفه وأحلامه، يعلّمهم أن الرجولة لا تعني الكتمان المطلق. الشفافية العاطفية تقرّب المسافات، وتكسر صورة الرجل الغامض الذي لا يُفهم.
من منظور نفسي، الاحتواء يرتبط بما يسمى بالأمان العاطفي. الإنسان يحتاج أن يشعر بأنه مقبول كما هو، بأخطائه وتناقضاته. المرأة التي تجد هذا الأمان مع زوجها تقلّ دفاعيتها، وتصبح أكثر تعاونًا، وأقل ميلًا للصدام. والرجل الذي يمارس الاحتواء يكتشف أن العلاقة تصبح أكثر استقرارًا، وأقل توترًا. إنها دائرة إيجابية تبدأ بخطوة وعي.
رمضان لا يطلب من الرجل أن يتخلى عن قوته، بل أن يعيد توجيهها. أن تكون قوته في ضبط نفسه، في حماية مشاعر من يحب، في تحمّل مسؤولية كلماته. الاحتواء ليس تدليلًا مفرطًا، بل توازن بين الحزم والرحمة. بين القرار والمشاورة. بين القيادة والشراكة.
في مجتمعاتنا، كثير من النساء يحملن عبئًا مضاعفًا في هذا الشهر. مسؤولية البيت، والعبادة، ورعاية الأبناء. وإذا غاب الاحتواء، تحوّل الشهر من فرصة روحانية إلى ضغط نفسي. هنا يظهر الفرق بين رجل يرى رمضان مناسبة لطلب المزيد، ورجل يراه فرصة للعطاء. الأول يركز على ما ينقصه، والثاني ينتبه لما يحتاجه من حوله.
إعادة تعريف الرجولة تبدأ من سؤال بسيط: كيف يشعر من يعيش معي بسببي؟ هل وجودي يمنحه سكينة أم يضاعف توتره؟ هل كلمتي بلسم أم سكين؟ هذه الأسئلة قد تبدو قاسية، لكنها ضرورية. لأن العلاقة لا تُقاس بالنوايا، بل بالأثر.
الاحتواء لا يعني إلغاء الذات. الرجل المحتوي لا يذوب، بل يتوازن. يعرف حدوده، ويعبّر عن احتياجاته، لكنه يفعل ذلك باحترام. العلاقة الصحية ليست طرفًا يبتلع الآخر، بل اثنان يتبادلان الدعم. ورمضان، بروحه التأملية، يذكّرنا بأن أجمل العبادات ما انعكس أثرها على الأخلاق.
ربما نحتاج أن نعلّم أبناءنا أن الرجولة خُلق قبل أن تكون دورًا. أن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو القدوة، كان في خدمة أهله، وكان ألين الناس في بيته. هذه الصورة ليست حكاية تاريخية، بل نموذج قابل للتطبيق. الرجولة التي تقتدي بالرحمة لا تخسر شيئًا، بل تكسب قلوبًا.
في النهاية، رمضان ليس محطة عابرة، بل اختبار سنوي للقلوب. اختبار لقدرتنا على مراجعة المفاهيم التي ورثناها دون تمحيص. الرجل الذي يخرج من هذا الشهر وقد أعاد تعريف رجولته على أساس الاحتواء، يكون قد حقق مكسبًا يتجاوز عدد الركعات. لأنه أعاد بناء بيته من الداخل.
المرأة لا تبحث عن بطل خارق، بل عن رجل يطمئنها. والرجل لا يخسر رجولته إذا احتوى، بل يكتشف بعدها الحقيقي. وبين الصوم والصلاة والدعاء، يبقى السلوك هو البرهان. فليكن هذا الشهر بداية لرجولة أكثر وعيًا، وأكثر رحمة، وأكثر قربًا من جوهر الإنسان.