لأكثر من أربعين عاما، بقيت القارة القطبية الجنوبية بلا سكان دائمين من البشر، أرضا بيضاء شاسعة لا يسمع فيها سوى هدير الرياح وحركة الجليد، ورغم ذلك، شهدت هذه القارة المتجمدة حدثا استثنائيا في تاريخ البشرية ولادة 11 طفلا فقط.
البداية من عام 1978ولادة لها ما بعدها
تعود أول ولادة مسجلة في القارة القطبية الجنوبية إلى عام 1978، حين ولد إميليو ماركوس بالما في قاعدة “إسبيرانزا” الأرجنتينية لم تكن الولادة حدثا عائليا عابرا، بل خطوة محسوبة ضمن استراتيجية سياسية ترسخ وجود بشري دائم في القارة.
أما آخر ولادة مسجلة، فكانت عام 1985، لتغلق بذلك صفحة قصيرة لكنها لافتة في تاريخ القارة.
قارة بلا شعوب أصلية وأرض بلا مالك
تاريخيا، لم اسجل أي شعوب أصلية عاشت في القارة القطبية الجنوبية، ما جعلها تصنف ضمن مفهوم Terra nullius أو “الأرض التي لا مالك لها” ومع تصاعد موجات الاستكشاف خلال القرن التاسع عشر، سارعت القوى الاستعمارية إلى رفع أعلامها فوق الجليد.
لكن المشهد تغير جذريا بعد الحرب العالمية الثانية، حين وُقعت معاهدة القارة القطبية الجنوبية عام 1959، التي جمدت جميع المطالبات الإقليمية، وكرست القارة كمحمية دولية مخصصة للبحث العلمي السلمي فقط.
ولادة مخططة في أقسى بقاع الأرض
في أواخر سبعينات القرن الماضي، نقلت الحكومة الأرجنتينية امرأة حامل تدعى سيلفيا موريلو دي بالما إلى القاعدة القطبية، بهدف واحد واضح إنجاب طفل على أرض القارة وبعد شهرين فقط، وُلد إميليو، ليصبح أول إنسان يُولد هناك.
لاحقا، شهدت القارة ولادة 10 أطفال آخرين، جميعهم من آباء أرجنتينيين أو تشيليين، في محاولة رمزية لإظهار استمرارية الوجود البشري.
رقم قياسي صحي في قارة الجليد
ورغم أن الأثر السياسي والقانوني لتلك الولادات كان محدودا، فإنها سجلت مفارقة لافتة على الصعيد الصحي إذ نجا الأطفال الأحد عشر جميعهم، ما منح القارة القطبية الجنوبية معدل وفيات رضع صفر بالمئة، وهو الأدنى عالميا.
اليوم وجود بشري بلا ولادات
في الوقت الحاضر، تحتضن القارة القطبية الجنوبية علماء وباحثين وفنيين وفرق دعم من مختلف دول العالم، يعيشون لفترات مؤقتة في قواعد بحثية، إلى جانب البطاريق والكائنات القطبية، دون أن يكون لأي إنسان منزل دائم أو جذور مستقرة هناك.
ومنذ عام 1985، توقفت تماما محاولات تسجيل ولادات بشرية في القارة.
قصة قصيرة في تاريخ طويل من الجليد
ورغم قسوة المناخ والعزلة الشديدة، ترك الإنسان بصمته الرمزية على القارة القطبية الجنوبية عبر تلك الولادات النادرة، تجربة قصيرة، لكنها كشفت كيف يمكن أن تتقاطع السياسة مع العلم والطموح الإنساني في أبرد نقطة على كوكب الأرض.
ويبقى الأطفال الأحد عشر، الذين وُلدوا فوق الجليد، شهودا صامتين على فصل فريد من فصول التاريخ البشري، فصل قد لا يتكرر إلا إذا تغيرت السياسات الدولية أو فرض العلم واقعًا جديدًا في المستقبل.

