قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: البوح

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

جميعنا يتعرض لضغوط بمختلف تنوعاتها، وقد يكون ذلك ناتج عن أحداث، تصيب الإنسان منا بالألم النفسي، بل، تصبح بمثابة عبء ثقيل على الصدر، ولا يزول هذا الأثر السلبي إلا بالعمل على تفريغه، وذلك من خلال حديث خاص، يبوح به الفرد إلى من يأتمنه، ويقدم له النصح، والإرشاد، أو يبدى رأيا قويمًا، يهوّن وطأ الاضطراب الداخلي لدى الآخر، أو يحاول أن يوجد من الأسباب المنطقية المقبولة، جرّاء حوار بناء يخفف من وطأة الأزمة النفسية، وهنا نتوقع أن تهدأ نزعات الوجدان، وتستقر تموّجاته؛ لتدرك الأنا بساطة الأمر.

أعتقد أن منهجية الكتمان لأحداث نتعرض لها، ليست قويمة في كليتها، أو بالأحرى على المطلق؛ فأتفق مع من يتفق معي بأن هنالك خصوصية، لا ينبغي التعرض لها، أو كشفها حتى لأقرب الناس للقلوب؛ لكن أتحدث عن تراكمات تلو الأخرى، تؤدي سياج الوجدان على المدى البعيد؛ فيصبح الألم العابر مزمنًا؛ نتيجة للمكابرة، أو الفهم الخطأ، أو الوعي بماهية، وأهمية تفريغ ما ألمّ بالنفس، أو أصابها بالجروح، والخشية من أن يُستدام القلق في دواخل الفرد، بل، قد يتنامى، أو يتخمّر؛ فيؤذي صاحبه.

أرى أن للبوح فائدة مقننة، تتمثل في ألا يتحول ما يجول في أنفسنا، وما يتربع على جوامع الأذهان وما يجوش في خلجات الصدور، وأفئدتها من ألم بسيط، إلى جُرْح غائر، يزيد من حزن الإنسان؛ فتفارقه الراحة؛ ومن ثم يصل دون شك إلى باب الاكتئاب؛ حيث الصمت الذي يعيد من خلاله تشكيل مجريات الأحداث المستقبلية، في ضوء ما يحوزه من خبرات مؤلمة في كليتها، وهنا يجب أن نهتم بآليات التفريغ في إطارها المنضبط؛ إذ تساعد في خروج الفرد من حيز السكون إلى دائرة الأمان.

مجريات الأحداث التي ننغمس في تفاصيلها ينجم عنها انفعالات مشروعة، وما أود أن أشير إليه هنا أن الكبت، وتجنب أن يبوح الإنسان عما يغلف أحاسيسه، قد يؤدي إلى خلط المشاعر، أو ما نسميها ردة فعل الوجدان، أو استجاباته المتوقعة، وغير المتوقعة؛ لذا دعونا نعبر بصدق عما يدور في داخلنا، وعما نشعر به بصورة صريحة؛ فما أصعب! من أن يشوّه وجدان نقي، وإحساس مرهف، وما أقسى! من عبء، يفوق ما قد يتحمله الفرد، وما أشد! من أن نخرج من حالة الاستقرار إلى بوتقة الصراع الداخلي؛ فتصبح البنية الوجدانية مريضة.

ندرك خطورة ما يتعرض له الإنسان من إحساس بالتعب البدني، دون أن يكون هناك عطب حقيقي يعاني منه، وهو ما يسمى بتجسيد المرض، وهذا الأمر قد يكون أحد مسبباته الانهاك النفسي الناتج عن ألم الكبت؛ فتجد شكوى من صداع، أو أرق، أو نصب، دون سبب، أو علة طبية، وهنا أفضل أن ينطق اللسان؛ فيخرج ما يضيق بالصدور ذرعا؛ لنتجنب قسوة الصمت، أو المحاسبية المفرطة للذات، كما لا نتقبل أن يصل الفرد إلى حافة السقوط في سلوكيات، غير مرغوب فيها تعد ردة فعل لما يضمره في صدره.

نريد أن يستعيد الإنسان منا توازنه، عبر حديث يعبر به بصورة منضبطة عما يدور في خلده؛ فأعتقد أن هذا يخفف من حدة الألم، ويزيل أثر الجروح الغائرة، ويسكب الدواء على مكان الداء، وبمعني آخر يستعيد الفرد حيويته المبددة في شرذمة مواقف، وُصفت بالضاغطة، بما يمنحه المقدرة على التقبل، والتفهم، والوصول إلى مراحل التكيف؛ ومن ثم يستطيع أن يحتوى ما قد يواجه من صعوبات، وتحديات مستقبلية، وهذا عين الصواب؛ حيث يتمكن من أن يخرج من حيز الفوضى، الناتج قطعًا عن كبت داخلي، إلى واحة تبرهن عن العودة الحميدة لاستعادة ما فقد، أو استهلك من طاقة.
طبيعتنا الإنسانية لا تتقبل الثقل على الوجدان، ولا تتحمل فلسفة الارتباك، والتشتت المقوّضة للطاقات، والمكرسة للسلبية؛ لكنها تميل دومًا للتنفيس، وتطلب بقوة الوصول إلى مرحلة الفهم العميق، والاستيعاب في إطار يذهب، ويبدّد الضبابية؛ فما أصعب! من معاناة تقاسي من نفوس، لم تقترف إثمًا، أو لم تتسبب في إحداث أذى، أو لم تغور على حقوق الآخرين؛ ومن ثم فقد باتت الهرولة للبوح ملاذا آمنا، يحقق المنشود منه.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.