في توقيت بالغ الحساسية، ومع تصاعد الأزمات الدولية وتشابك بؤر الصراع من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، عاد ملف سد النهضة الإثيوبي ليتصدر المشهد السياسي الأمريكي مجددًا، بعد أن أعاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أجندته بشكل لافت، في خطوة أثارت تساؤلات واسعة حول دوافع هذا التحرك وتوقيته.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن عودة سد النهضة لأجندة ترامب ليست تحركًا عابرًا أو استجابةً لضغوط آنية، وإنما تعكس حسابات استراتيجية أمريكية دقيقة، تقوم على إدراك عميق لخطورة المساس باستقرار مصر، باعتباره خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه مهما بلغت حدة التوترات الدولية الأخرى.
مهران لـ"صدى البلد": عودة سد النهضة لأجندة ترامب ليست صدفة بل حسابات استراتيجية أمريكية دقيقة
أكد الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام والأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، أن عودة ملف سد النهضة الإثيوبي إلى أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوة خلال الأيام الماضية، رغم التوترات الدولية المتصاعدة في أوكرانيا والشرق الأوسط وفنزويلا، تعكس إدراكًا أمريكيًا عميقًا بأن استقرار مصر يمثل خطًا أحمر استراتيجيًا لا يمكن المساس به مهما كانت الظروف الدولية.
وقال الدكتور مهران في تصريحات خاصة لصدى البلد، إن رسالة ترامب الأخيرة للرئيس السيسي، والتي نشرها على منصة "تروث سوشيال"، والتي أعلن فيها استعداده لإعادة الوساطة الأمريكية لحل مسألة تقاسم مياه النيل "مرة واحدة وإلى الأبد"، جاءت في توقيت بالغ الدقة يعكس أن واشنطن لديها أولويات واضحة في سياستها الخارجية، وأن مصر على رأس هذه الأولويات.
وأوضح الخبير الدولي أن هناك عدة عوامل استراتيجية تفسر عودة الملف لأجندة ترامب رغم الانشغال الدولي، أولها أن ترامب يدرك تمامًا أن مصر هي الأساس في استقرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأن أي تهديد للأمن المائي المصري يعني انفجارًا إقليميًا قد تكون تداعياته أخطر بكثير من الأزمات الدولية الأخرى.
وأضاف أن العامل الثاني هو نجاح الدور المصري الحاسم في التوسط لوقف إطلاق النار في غزة والتوصل لاتفاق شرم الشيخ التاريخي، مشيرًا إلى أن ترامب شكر الرئيس السيسي علنًا على هذا الدور وعيّن رئيس المخابرات المصرية عضوًا في المجلس التنفيذي لغزة، وهو ما يعني أن واشنطن تدرك أنها مدينة لمصر وأن الوقت مناسب لرد الجميل من خلال التدخل الحاسم في ملف السد.
ولفت مهران إلى أن العامل الثالث هو أن ترامب شخصيًا لديه حسابات خاصة مع هذا الملف، موضحًا أن الرئيس الأمريكي كان قريبًا جدًا من حسم الملف عام 2020 عندما رعت وزارة الخزانة الأمريكية محادثات أسفرت عن مسودة اتفاق ملزم، لكن إثيوبيا انسحبت في اللحظة الأخيرة، وهو ما أحبط ترامب شخصيًا وجعله يحذر أديس أبابا بلغة قوية جدًا.
إثيوبيا والتصرف الأحادي.. اكتمال السد دون اتفاق ينذر بتصعيد خطير
وشدد الخبير القانوني على أن العامل الرابع هو أن إثيوبيا أعلنت اكتمال بناء السد ودعت لحضور حفل التدشين، وكل ذلك بشكل أحادي، وهو ما يعني أن الأمور تتفاقم بعد أكثر من اثني عشر عامًا من فشل التفاوض، مؤكّدًا أن ترامب يدرك أن التدخل الأمريكي الآن أو أبداً، وأن السماح لإثيوبيا بتشغيل السد دون اتفاق ملزم يعني تكريس أمر واقع سيكون من المستحيل تغييره لاحقًا.
وأوضح أن القانون الدولي يدعم بقوة الموقف المصري، مشيرًا إلى أن اتفاقية المجاري المائية الدولية لعام 1997 تلزم دول المنبع بعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول المصب، وأن إثيوبيا تنتهك هذا المبدأ بملء وتشغيل السد دون اتفاق، مؤكّدًا أن أمريكا لديها أدوات ضغط هائلة على أديس أبابا من خلال المؤسسات المالية الدولية والمساعدات الخارجية.
وحول سؤال "لماذا الآن رغم التوترات الدولية؟"، قال مهران إن ترامب يعمل بمنطق رجل الأعمال الذي يدير عدة ملفات في وقت واحد، وأن نجاح الدبلوماسية الأمريكية في ملف غزة أعطى ترامب ثقة كبيرة في قدرته على حسم الملفات المعقدة، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي يريد تحقيق سلسلة من الإنجازات الدبلوماسية في بداية فترته الثانية لإثبات تفوقه على الإدارات السابقة.
واختتم بالقول إن مصر أمام فرصة تاريخية حقيقية يجب استثمارها بحكمة وحزم، مؤكدًا أن ترامب جاد في عرضه وقادر على الضغط على إثيوبيا، لكن النجاح يتطلب من مصر التفاوض من موقع القوة والتمسّك بخطوطها الحمراء وعدم القبول بأي حل لا يضمن حصتها المائية التاريخية كاملة، محذّرًا من أن تفويت هذه الفرصة قد يعني فقدان الخيار الدبلوماسي نهائيًا.