في لحظة عابرة، ومن دون تخطيط أو إعداد مسبق، تحوّل مقطع فيديو بسيط التُقط في أحد شوارع المدينة إلى قصة إنسانية هزّت مشاعر آلاف المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي.
بطلة الحكاية طفلة صغيرة تُدعى «سجدة»، تعمل في بيع المناديل، لكن ما لفت الأنظار لم يكن عملها الشاق في سن مبكرة، بل قلبها الرحيم الذي اتسع لطائرٍ مصاب، فاختارها ملاذًا آمنًا ورفض أن يفارقها، وكأنما وجد فيها ما فقده من أمان.
لقطة عفوية تشعل المشاعر
انتشر الفيديو سريعًا، وظهر فيه مشهد غير مألوف لطفلة صغيرة تحمل حمامة فوق رأسها، تمشي بهدوء وسط الشارع، بينما الطائر يتحرك فوق رأسها دون خوف. لم يكن المشهد مفتعلًا أو مصطنعًا، بل لحظة صادقة عكست إنسانية خالصة، جعلت كثيرين يتوقفون أمام الشاشة متسائلين: من هذه الطفلة؟ وما حكايتها؟
الطائر المصاب.. وبداية الحكاية
تقول «سجدة» ببراءة الأطفال إن الطائر كان جائعًا وباردًا، ويعاني إصابة في قدمه، لم تتردد في مساعدته، أطعمته ودفأته واهتمت به، قبل أن تتركه ليطير، لكن المفاجأة أن الحمامة لم تغادر المكان، بل حلّقت فوق رأسها واستقرت عليه، رافضة الابتعاد عنها.
وتحكي الطفلة: «من ساعة ما ساعدته وهو مش عاوز يسبني… طار فوق دماغي ومش راضي يمشي»، كلمات بسيطة خرجت من قلب صغير، لكنها حملت معنى كبيرًا عن الرحمة الفطرية التي لا تحتاج إلى تعليم أو توجيه.
عدسة تلتقط الصدفة
لم يكن البلوجر مصطفى موسى، مصور الفيديو، يتوقع أن يصبح شاهدًا على معاناة أسرة تعيش تحت خط الفقر، أو أن يتحول مجرد فضول و رسالة إنسانية وصلت لآلاف القلوب.
بداية القصة.. حمامة فوق رأس طفلة
يروي مصطفى موسى، في تصريحات خاصة لـ صدي البلد، أن بداية الحكاية كانت مصادفة بحتة. أثناء جلوسه مع أصدقائه على جروب “واتساب”، لفت انتباهه مشهد غير مألوف: طفلة صغيرة تُدعى «سجدة» تقف بهدوء، وفوق رأسها حمامة تتحرك ذهابًا وإيابًا. يقول:
«كنت شايف المشهد بعيني، الحمامة ماشية فوق دماغها، فقلت لازم أعرف إيه ده».
اقترب مصطفى من الطفلة وطلب منها إجراء مكالمة هاتفية، لكنها فاجأته بطلب بسيط: «استنى بس قبل ما أديك الموبايل، إيه اللي على دماغي ده؟». أخبرته أن الحمامة “عصفورة” وجدتها مصابة قليلًا، أطعمتها واهتمت بها، فاختارت الطائر رأسها ملاذًا آمنًا.
تصوير بلا نية للنشر
يؤكد مصطفى أنه لم يكن يعرف الطفلة من قبل، ولم يكن لديه أي تخطيط لتحويل اللحظة إلى محتوى. قام بتصوير الفيديو وأرسله إلى أصدقائه فقط، بحكم عمله في صناعة المحتوى على السوشيال ميديا.
ويقول: «معرفش إيه اللي خلاني أنزل الفيديو على إنستجرام، نزلته حوالي الساعة 11 بالليل».
في نظره، ما حدث بعد ذلك كان طبيعيًا في البداية؛ تفاعل عادي وأرقام معتادة.
من آلاف إلى ملايين.. الصدمة الأولى
عاد مصطفى إلى منزله، وبعد ساعات قليلة فوجئ بأن الفيديو وصل إلى نحو 10 آلاف تفاعل. يضيف: «ده رقم طبيعي بالنسبة لي».
لكن الصدمة الحقيقية جاءت في الصباح، حين تلقى اتصالًا من صديق أيقظه من النوم قائلًا: «الحق الفيديو بتاعك… الدنيا مقلوبة!».
في البداية ظن أنه يمزح، أغلق الهاتف وعاد للنوم. لكن عند استيقاظه، اكتشف أن الفيديو أصبح حديث السوشيال ميديا، وتحوّل إلى “تريند” حقيقي، مع تعليقات من مشاهير ومشاركات واسعة.
بحث عن الطفلة.. ما وراء الشاشة
مع تزايد التفاعل، بدأت الأسئلة تتوالى في التعليقات:
من هي الطفلة؟ أين تعيش؟ وكيف يمكن الوصول إليها أو مساعدة أسرتها؟
يقول مصطفى: «الناس كانت عايزة توصل للطفلة أو لأهلها، وأنا أصلًا معرفش مكانها».
وبدأ رحلة البحث، إلى أن اكتشف أن «سجدة» تقف مع والدتها لبيع النعناع والجرجير. ومن خلال أهل المنطقة، وصل إليهم، لتتكشف له صدمة أكبر.
أسرة تحت خط الصفر
عندما دخل مصطفى منزل الأسرة، وصف المشهد بأنه «أقل من الحد الأدنى للحياة الكريمة».
البيت مهجور تقريبًا، مكوّن من غرفتين متصدعتين، بلا أثاث حقيقي، وكأن الأسرة «وجدت المكان ولجأت إليه».
الأب يعمل في جمع الكنزات والبلاستيك، والأم تبيع الخضروات البسيطة، والأسرة مكوّنة من أربعة أطفال إلى جانب الأب والأم والجدة.
يقول مصطفى: «حالتهم ميؤوس منها… عايشين تحت الصفر».
تواصل بلا هواتف… ومعاناة يومية
الأسرة لا تمتلك هواتف محمولة، وأي تواصل يتم عن طريق جار يملك هاتفًا. ويوضح مصطفى أن كل من يريد التواصل معهم يفعل ذلك عبره هو.
رغم اتصالات كثيرة تلقاها، إلا أنه يؤكد أن المساعدة الجادة لم تتحقق بعد بالشكل المطلوب.
رسالة لا إعلان
يشدد مصطفى على أنه رفض عروضًا من شركات إعلانية حاولت استغلال القصة، قائلًا:
«رفضنا كل حاجة… الطفلة محتاجة مساعدة مش شهرة».
كما أشار إلى أن سجدة تسكن في منطقة “الراس السوداء”، وتذهب لمدرسة في الحضرة، لكنها لا تستطيع الانتظام في الدراسة بسبب ظروف السكن والإيجار الذي يثقل كاهل الأسرة.
حين يصبح الإنسان سببًا
في ختام حديثه، عبّر مصطفى موسى عن إيمانه بأن ما حدث رسالة من الله، قائلًا:
«ربنا جعلني سبب، يمكن يكون ده رزق سجدة. لو كنت سبب في إن أسرة حد يسمع عنها أو يساعدها، فأنا مش هتأخر».
حين تصنع الرحمة فارقًا
قصة «سجدة» تجاوزت كونها فيديو مؤثر، لتصبح مرآة تعكس واقعًا مؤلمًا يعيشه كثيرون في صمت. بين قلب طفلة رحيم وعدسة هاتف صادقة، انكشفت معاناة أسرة كاملة، وربما فُتح باب أمل لمستقبل أفضل.
في النهاية، تبقى الحكاية تذكيرًا بأن أبسط أفعال الرحمة قد تُحدث أكبر الأثر، وأن إنسانية صادقة من طفلة صغيرة كانت كفيلة بأن توقظ ضمير مجتمع بأكمله، وتمنح «سجدة» وأسرتها فرصة جديدة للحياة.