ليلة النصف من شعبان .. تحظى ليلة النصف من شعبان بمكانة خاصة في قلب كل مسلم ، إذ ينظر إليها العلماء باعتبارها من الليالي التي تتنزل فيها الرحمات، وتفتح فيها أبواب الخير، ويقبل فيها العبد على ربه بالطاعات والدعاء والذكر.
وارتبطت هذه الليلة بكثير من الأقوال الفقهية والنصوص الواردة عن النبي ﷺ، ما جعلها محل اهتمام واسع بين المسلمين، خاصة فيما يتعلق بإحيائها بالصلاة والصيام والدعاء، وحكم تخصيصها بعبادات معينة.
ويرى العلماء أن صيام ليلة النصف من شعبان وإحياءها بالقيام والذكر والدعاء أمرٌ مباح شرعًا، ولا يُعد من البدع، بل هو داخل في أبواب الخير والطاعات.
الاحتفال بهذه الليلة من خلال إحيائها بالعبادة وصيام نهارها جائز، لما تحمله من فضل عظيم ومعانٍ روحية سامية.
وأكد أهل العلم أن إحياء هذه الليلة بأنواع القربات لا يعد بدعة، مستدلين بقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾، كما وردت عدة أحاديث في فضلها، منها قول النبي ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا».
كيف أغتنم ليلة النصف من شعبان
وتُعد ليلة النصف من شعبان فرصة ينبغي اغتنامها بالتقرب إلى الله عز وجل، من خلال الإكثار من الذكر والدعاء، وسؤال الله الخير للنفس والأهل والوطن وسائر المسلمين.
وورد أن النبي ﷺ كان ينبه أصحابه إلى قرب هذه الليلة، وجاءت في فضلها أحاديث متعددة، منها ما هو ضعيف ومنها ما هو مقبول، وقد قرر العلماء أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال.
الدعاء في ليلة النصف من شعبان يكون بنية خالصة، رجاء أن يتقبل الله صالح الأعمال، ويجعل عباده من المقبولين، إذ ورد أن الدعاء فيها مستجاب،فقد ثبت أن الله سبحانه وتعالى يطلع على عباده في هذه الليلة، فيغفر للمستغفرين، ويرحم المسترحمين، ويؤخر أهل الحقد على ما هم عليه.
وروي عن النبي ﷺ قوله: «إذا كانت ليلةُ النِّصفِ من شعبانَ فقوموا ليلَها وصوموا نهارَها، فإن اللهَ ينزل فيها لغروب الشمس إلى سماءِ الدنيا، فيقول: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتى يطلع الفجر».
كما ورد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن».
صيام ليلة النصف من شعبان واختلاف الفقهاء
اتفق الفقهاء على جواز الصيام في عموم أيام السنة دون تخصيص يوم بعينه، إلا ما ورد فيه نص خاص، كالأيام البيض، ويومي الاثنين والخميس.
واستحبوا الإكثار من الصيام في شهر شعبان، استنادًا إلى ما روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها، إذ قالت:«كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان».
أما مسألة تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام دون غيره من أيام الشهر، فقد اختلف فيها العلماء إلى آراء متعددة؛ فذهب فريق منهم إلى عدم مشروعية تخصيص هذا اليوم بالصيام، لعدم ورود نص صحيح صريح عن النبي ﷺ بذلك، واعتبروا أن الأحاديث الواردة في هذا الباب لا تصل إلى درجة الاحتجاج.
وذهب جمهور الشافعية والطحاوي وغيرهم إلى كراهة الصيام بعد انتصاف شعبان حتى دخول رمضان، بما في ذلك يوم النصف.
وخصّ الإمام ابن حزم الظاهري النهي بما بعد يوم النصف، أي ابتداءً من اليوم السادس عشر من شعبان، وبناءً على ذلك أجاز صيام يوم النصف من شعبان، وهو قول قال به عدد من العلماء قديمًا وحديثًا.
دعاء ليلة النصف من شعبان
اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنِّ وَلَا يُمَنُّ عَلَيْهِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا ذَا الطَّوْلِ وَالإِنْعَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، ظَهْرَ اللَّاجِئِينَ، وَجَارَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَأَمَانَ الْخَائِفِينَ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ شَقِيًّا أَوْ مَحْرُومًا أَوْ مَطْرُودًا أَوْ مُقَتَّرًا عَلَيَّ فِي الرِّزْقِ، فَامْحُ اللَّهُمَّ بِفَضْلِكَ شَقَاوَتِي وَحِرْمَانِي وَطَرْدِي وَاقْتَارَ رِزْقِي، وَأَثْبِتْنِي عِنْدَكَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ سَعِيدًا مَرْزُوقًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرَاتِ.
فَإِنَّكَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ فِي كِتَابِكَ الْمُنَزَّلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ الْمُرْسَلِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.
إِلَهِي، بِالتَّجَلِّي الْأَعْظَمِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ الْمُكَرَّمِ، الَّتِي يُفْرَقُ فِيهَا كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وَيُبْرَمُ، أَنْ تَكْشِفَ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا نَعْلَمُ وَمَا لَا نَعْلَمُ وَمَا أَنْتَ بِهِ أَعْلَمُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.



