تحوّل جيل Z إلى محور رئيسي في الخطاب الإعلامي والسياسي، بوصفه الجيل الأكثر قدرة على التأثير في مسارات المستقبل، ليس فقط بسبب حجمه العددي، بل لطبيعة وعيه الرقمي وأدواته المختلفة في التفاعل والتعبير، باعتباره جيلًا نشأ داخل الفضاء الرقمي، وتكوَّن وعيه في ظل ثورة تكنولوجية متسارعة، هذا الجيل يمتلك قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومة وصناعة الرأي العام، لكنه في الوقت نفسه يُعد من أكثر الأجيال عرضة لإعادة التوجيه وبناء الوعي الزائف، في ظل غياب معايير صارمة للتحقق، وتضخم المحتوى العاطفي والمُسيّس.
اللافت للنظر أن منصات وقنوات جماعة الإخوان الإرهابية كثّفت خلال الفترة الماضية، ولا تزال، حديثها عن جيل Z بشكل غير مسبوق، وقدّمت نفسها فجأة باعتبارها «صوت الشباب» و«المدافع عن حقوقهم»، في محاولة مكشوفة لإعادة التسلل إلى الوعي الجمعي من بوابة جديدة، بعد فشلها المتكرر في التأثير عبر الخطاب التقليدي.
لماذا جيل Z تحديدًا؟
استهداف هذا الجيل لم يأتِ صدفة، بل يقوم على قراءة دقيقة لطبيعة سلوكه الإعلامي، حيث يتميز جيل Z بعدة سمات تجعله هدفًا مغريًا لأي تنظيم يسعى إلى الاستقطاب، من بينها:
الاعتماد شبه الكامل على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار والمعلومات.
التفاعل السريع مع المحتوى القصير دون تدقيق كافٍ في مصادره.
الميل إلى رفض الخطاب الرسمي والنماذج التقليدية في السياسة والإعلام.
التأثر بالرسائل العاطفية، والشعارات العامة، وخطاب المظلومية.
الرغبة في التغيير السريع، حتى في ظل غياب بدائل واضحة أو برامج واقعية.
وهي بيئة مثالية لتنظيمات تمتلك خبرة طويلة في اللعب على المشاعر، وإعادة إنتاج الأزمات، وبث الشكوك بصورة تدريجية ومدروسة.
خطاب الإخوان: شكل جديد ومضمون قديم
الخطورة لا تكمن في الحديث عن الشباب أو قضاياهم في حد ذاته، بل في كيفية توظيف هذا الحديث. فخطاب جماعة الإخوان الموجَّه إلى جيل Z يعتمد على أدوات حديثة ومنصات عصرية، لكنه يحمل في جوهره الأفكار ذاتها التي لفظها الواقع، ومن أبرز ملامحه:
إعادة تدوير أطروحات فقدت مصداقيتها، لكن بلغة شبابية معاصرة.
استغلال قضايا الحرية والعدالة بصورة انتقائية تخدم أهداف التنظيم.
خلط متعمّد بين النقد المشروع للأداء العام، وبين الهدم المعنوي الشامل لمؤسسات الدولة.
تصوير التنظيم كبديل «ثوري» أو «منقذ»، دون تقديم أي مشروع واقعي قابل للتطبيق.
تغييب السياق التاريخي لفشل التجربة الإخوانية وتكلفتها السياسية والمجتمعية.
ويُمرَّر هذا الخطاب عبر فيديوهات قصيرة، وصفحات مجهولة المصدر، ومؤثرين بلا هوية واضحة، تُدار جميعها بأسلوب احترافي يستهدف تفكيك الثقة، وضرب أي رواية بديلة، وإرباك الوعي العام.
الأهداف التحريضية الخفية
الهدف الحقيقي من هذا الخطاب لا يرتبط بتمكين الشباب أو الدفاع عن حقوقهم، بل يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التحريضية، من أبرزها:
صناعة حالة دائمة من الإحباط والغضب.
خلق قطيعة نفسية بين جيل Z والدولة.
تشويه مفهوم الانتماء وربطه بالفشل والعجز.
تحويل الغضب المشروع إلى فوضى فكرية غير منظمة.
استخدام الشباب كأدوات ضغط أو وقود لصراعات قديمة بواجهات جديدة؛وهي مرحلة شديدة الخطورة، يتحوّل فيها الوعي من أداة للفهم إلى وسيلة للهدم الذاتي، دون إدراك حقيقي لطبيعة ما يجري أو لمن يخدمه هذا المسار.