لم تعد فكرة توجيه ضربة لإيران سؤالا تقليديا يناقش عبر شاشات التلفزيون في برامج الأخبار ولا سؤالا عسكريا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها بالضربة أو دقة الاستهداف بل تحولت إلى معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد جوهرها ليس ماذا سنضرب بل ماذا سيحدث بعد أن نضرب فالمعضلة الحقيقية لا تكمن في بنك الأهداف داخل العمق الإيراني بل في الردود الايرانية المحتملة وهو الأخطر والأوسع والأكثر قابلية للانفلات والدخول في حرب شاملة ليس لها قواعد اشتباك محددة.
فالتصريح الإيراني الاخير فى رأيي هو الاكثر شراسة بأن أي هجوم سيعامل باعتباره حربا شاملة لم يكن مجرد خطاب لحفظ ماء الوجه موجه للإعلام أو للاستهلاك المحلى بل كان إعلانا صريحا لإعادة تعريف قواعد الاشتباك إيران هنا لا تهدد بالرد بل تلغي مسبقا فكرة الضربة المحدودة وتسحب من خصومها مساحة المناورة التي طالما اعتمدوا عليها لتفادي الانجراف في مواجهة مفتوحة.
وهنا في هذه النقطة يتعقد المشهد فالولايات المتحدة أو أي طرف يفكر في الضربة يدرك أن تنفيذ الضربة ليس هو التحدي وإنما إدارة التداعيات اللاحقة للضربة فإيران لا تخوض الحروب بمنطق الضربة مقابل الضربة بل بمنطق تفكيك استقرار الخصم على مراحل وبأدوات لا تعمل جميعها تحت راية الحروب العسكرية النظامية.
فإذا وقعت الضربة لن تكون لحظة الانفجار هي الأخطر بل الساعات التالية لها اولا سوف يتوحد الشارع الايرانى الذي يشهد حالة من الاحتجاجات والمطالبة بتغيير النظام وتوحيد الجبهة الداخلية الايرانية فبعد الضربة لن يبدأ من طهران ولن يدار عبر بيانات رسمية أو استعراضات صاروخية مباشرة كما شاهدنا قبل شهور في حرب الاثني عشر يوم السيناريو الاقرب يتمثل في فتح مسارات ضغط متزامنة تبدأ من النقاط الأكثر حساسية في الإقليم.
فمضيق هرمز سيعود إلى الواجهة كأداة ابتزاز استراتيجية ليس عبر إغلاق شامل يستفز المجتمع الدولي بل من خلال تهديد مدروس لحركة الملاحة يكفي لرفع أسعار الطاقة وإرباك الأسواق العالمية دون منح مبرر قانوني لتدخل دولي واسع وبالتوازي ستتحرك الجبهات الموالية حيث لا بصمات مباشرة ولا أعلام دول مرفوعة هذه الجبهات ستستهدف القواعد العسكرية وسفن الدعم والمنشآت الوجستيه وخطوط إمداد وبنية تحتية كل هذا سيكون أهدافا محتملة تاتى في إطار حرب استنزاف منخفضة الوتيرة لكنها عالية التأثير الهدف هنا ليس التدمير بل خلق بيئة دائمة من القلق لدى حلفاء الولايات المتحدة وهي بيئة تنهك متخذ القرار السياسي قبل أن تنهك القوة العسكرية.
وبالتالى ستجبر الولايات المتحدة على رفع مستوى الجاهزية إلى أقصى حد ونشر إضافي لأنظمة الدفاع الجوي وتعزيز الوجود البحري وتحصين قواعدها العسكرية وإعادة توزيع الأصول العسكرية في المنطقة لكن هذا الانتشار مهما بلغ حجمه سيعكس حقيقة واحدة أن الضربة لم تنهي التهديد بل أعادت إنتاجه بصورة أكثر تعقيدا في هذه المرحلة ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام الانتقال من صراع يمكن احتواؤه إلى مواجهة مفتوحة لا تملك واشنطن ولا طهران ولا الوسطاء ضمانات السيطرة على مسارها.
وبقراءة المشهد المعقد سنجد ان هذه الضربة ستدفع المنطقة بأكملها إلى حالة استنفار سياسي وأمني فسنجد الحلفاء يطالبون بضمانات من الولايات المتحدة وسيعيدون حساباتهم والأسواق ستتاثر بشكل كبير ومع كل يوم يمر دون حسم ستتحول الضربة من أداة ردع إلى عبء استراتيجي عواقبة ستكون اقتصاديه وسياسيه وأمنيه حيث لا انتصار سريع ولا هزيمة معلنة.
من هنا تظهر الزاوية المصرية بكل وضوح مصر ليست طرفا في المواجهة لكنها ليست بعيدة عن تداعياتها أي انفجار إقليمي يعني تهديدا مباشرا لأمن البحر الأحمر وقناة السويس واستقرار أسواق الطاقة وهي ملفات تمس الأمن القومي المصري مصر لا تنظر إلى الحروب من زاوية الشعارات بل من زاوية الكلفة وهي تدرك أن إشعال الإقليم لا يخدم أحدا.
فعلى مر التاريخ كانت مصر صوت العقل في لحظات الجنون الاستراتيجي فلا تساير التصعيد ولا تراهن على المغامرة لأنها تعرف أن المنطقة لا تتحمل حربا جديدة بلا سقف الضربة على إيران إن حدثت لن تبقى محصورة في جغرافيا بعيدة بل ستعيد خلط الأوراق في كل الإقليم وتفتح أبوابا يصعب إغلاقها سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
فالقيادة السياسية المصرية تدرك أن أخطر ما في هذا السيناريو ليس الضربة نفسها بل انهيار فكرة الضبط حين ترفع الحرب إلى مستوى الشمول في الخطاب تصبح السيطرة على مسارها شبه مستحيلة والتاريخ القريب في المنطقة مليء بضربات قيل إنها محسوبة ثم تحولت إلى كوارث ممتدة من يراهن على ضربة نظيفة في هذا المشهد يراهن على سراب.
الخلاصة أن الضربة المحتملة ليست حلا بل مقامرة باستقرار إقليمي هش وبمصالح دول لم تطلب الحرب لكنها ستدفع ثمنها فالحكمة هنا ليست ضعفا بل ضرورة لأن الحرب حين تبدأ لن تسأل أحدا إن كان مستعدا لها وسيناريو الحرب لن تحسم ملامحه في يوم ولن تغلق صفحته ببيان.
خالد عامر يكتب: الضربة التي تهدد بإشعال الإقليم