قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد عسكر يكتب: الأطفال ومواقع التواصل.. كيف نحميهم دون أن نعزلهم؟

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات افتراضية، بل تحولت إلى فضاء ثقافي جديد يُعاد فيه تشكيل الوعي، واللغة، وأنماط التفكير لدى الأجيال الصاعدة. ومن هذا المنظور، يكتسب توجه الدولة نحو إعداد تشريع ينظم استخدام الأطفال لهذه المنصات أهمية خاصة، تتجاوز البعد القانوني لتلامس أسئلة أعمق تتعلق بالتربية، والثقافة، وعلاقة الإنسان بعصره.
إن القلق من التأثيرات النفسية والسلوكية لاستخدام الأطفال المفرط للشاشات قلق مشروع، فالعالم الرقمي يحمل في طياته قدراً هائلاً من العنف الرمزي، والتنمر، وتسليع القيم، وتغييب المعنى، وهي مخاطر لا تقل تأثيراً عن الأخطار المادية التي واجهتها أجيال سابقة في الشارع أو المدرسة. ومن هنا، يصبح تدخل الدولة محاولة لإعادة ضبط العلاقة المختلة بين الطفل والتكنولوجيا، لا لقطعها.
غير أن الثقافة تعلمنا أن المنع وحده لم يكن يوماً أداة فعالة في التربية. فالتاريخ الإنساني يبرهن أن كل وسيلة جديدة – من الكتاب المطبوع إلى الراديو ثم التلفزيون – قوبلت أول الأمر بالخوف والرفض، قبل أن تُدمج تدريجياً في بنية المجتمع عبر الوعي والتنظيم. ومواقع التواصل ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل هي الامتحان الأحدث لقدرتنا على التكيف الثقافي.
من زاوية أخرى، لا يمكن إنكار أن هذه المنصات تمثل اليوم أحد أهم مصادر المعرفة غير التقليدية، ومساحات للتعبير واكتشاف الذات، بل وأدوات لتعلم المهارات الرقمية التي باتت شرطاً أساسياً للاندماج في سوق العمل مستقبلاً. وحرمان الأطفال منها بدعوى الحماية قد يخلق فجوة معرفية وثقافية، تُقصيهم عن عالم يتشكل من دون انتظارهم.
التحدي الحقيقي إذن لا يكمن في السؤال: هل نمنع أم نسمح؟ بل في كيفية بناء وعي رقمي يُمكّن الطفل من استخدام التكنولوجيا دون أن يتحول إلى أسير لها. وهنا تتقاطع أدوار التشريع مع أدوار الثقافة والتعليم والإعلام. فالقانون، مهما بلغت دقته، يظل أداة صماء إذا لم يُدعَم بمشروع ثقافي شامل يُعيد الاعتبار لقيم الحوار، والقراءة، والتفكير النقدي.
إن الدعوة إلى قانون متوازن ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة حضارية نحو تشريع يحمي الطفل من الاستغلال والإدمان، ويُلزم المنصات بمسؤولياتها الأخلاقية، وفي الوقت ذاته يعترف بحق النشء في الانتماء لعصرهم واكتساب أدواته. فالثقافة الحية لا تُخاصم الزمن، بل تفاوضه، وتعيد تشكيله بما يخدم الإنسان.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نريد أطفالاً محميين داخل أسوار المنع، أم أطفالاً واعين قادرين على العبور الآمن في عالم رقمي لا يمكن إيقافه؟ الإجابة، كما تقول الثقافة دائماً، ليست في أحد الطرفين، بل في المسافة الحكيمة بينهما.