في عالم يتسارع فيه التنقل البشري بحثًا عن العمل والاستقرار تحولت الهجرة الإفريقية من ظاهرة اجتماعية إلى رافعة اقتصادية مركزية. لم تعد تحويلات المغتربين مجرد دعم عائلي محدود بل أصبحت أحد أهم مصادر النقد الأجنبي وأداة غير مباشرة لإدارة الأزمات الاقتصادية وملاذًا آمنًا للاقتصادات الهشة في مواجهة الصدمات العالمية.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 مليون إفريقي يعيشون خارج بلدانهم الأصلية سواء داخل القارة أو في أوروبا او الخليج وأمريكا الشمالية هذا الانتشار الواسع خلق شبكة مالية عابرة للحدود تتحرك خارج الحسابات التقليدية للدولة، لكنها تؤثر بعمق في الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
الهجرة هنا ليست خيار رفاهية، بل في كثير من الحالات استراتيجية بقاء اقتصادي للأسر والدول على حد سواء.
على المستوى الاجتماعي، تلعب التحويلات دورًا يتجاوز الاستهلاك اليومي مثل تمويل تعليم الأطفال في القرى والمناطق المهمشة و تغطية تكاليف الرعاية الصحية في دول تعاني ضعف البنية الطبية و تقديم الدعم للنساء المعيلات والأسر الممتدة كذلك الحد من الفقر متعدد الأبعاد وليس فقط الفقر النقدي
في دول مثل السنغال وغانا ونيجيريا، تشير دراسات اجتماعية إلى أن الأسر التي تتلقى تحويلات تتمتع بمعدلات تعليم وصحة أعلى مقارنة بغيرها، ما يجعل هذه الأموال أداة غير مباشرة للتنمية البشرية.
اقتصاديًا، أصبحت تحويلات المغتربين أحد أعمدة الاقتصاد الإفريقي حيث تجاوزت تحويلات المغتربين إلى إفريقيا 95–100 مليار دولار سنويًا، وهو رقم يفوق في بعض الأعوام إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية. حيث تمثل التحويلات في المتوسط نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة، وترتفع هذه النسبة في بعض الدول إلى أكثر من 10%.
• دول مثل نيجيريا، مصر، المغرب، كينيا، غانا تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه التدفقات، لكنها ليست حكرًا عليها؛ فدول صغيرة تعتمد عليها كليًا تقريبًا في توازن ميزانياتها.
وفي حالات كثيرة، كانت التحويلات خط الدفاع الأول أمام أزمات العملة، كما حدث خلال جائحة كورونا، حيث تراجعت الاستثمارات الأجنبية بينما حافظت التحويلات على قدر كبير من الاستقرار.
تلعب التحويلات دورًا بالغ الحساسية في دعم احتياطي النقد الأجنبي و تقليل الضغط على أسعار الصرف
كذلك تمويل الواردات الأساسية مثل الغذاء والوقود و سد فجوات ميزان المدفوعات
ولهذا، تتعامل بعض الحكومات الإفريقية مع التحويلات باعتبارها موردًا استراتيجيًا غير رسمي، حتى وإن لم يظهر ذلك صراحة في السياسات المعلنة.
عند مقارنتها بمصادر التمويل الأخرى
فالمساعدات الخارجية: مشروطة سياسيًا وبطيئة
الاستثمار الأجنبي المباشر: متقلب ويتأثر بالمخاطر السياسية
القروض الدولية: تزيد أعباء الدين
بينما تمتاز التحويلات بأنها:
مباشرة و مستمرة و أقل حساسية للصدمات السياسية و تصل مباشرة إلى المجتمع دون وسيط حكومي
وهذا ما يجعلها أكثر استدامة ومرونة.
رغم قوتها، لا تخلو التحويلات من إشكاليات:
مثل تكلفة التحويل المرتفعة في إفريقيا، والتي تبتلع جزءًا من دخل العامل قبل وصوله لأسرته.
الاستخدام الاستهلاكي المفرط دون توجيه استثماري حقيقي.
و خطر الاعتماد المفرط على أموال الخارج بدل خلق فرص عمل محلية.
كذلك ضعف السياسات التي تربط بين التحويلات والتنمية الإنتاجية طويلة الأجل.
المشهد المستقبلي يحمل فرصًا حقيقية إذا أُدير بذكاء
التحول الرقمي سيخفض تكاليف التحويل ويزيد الشمول المالي وإطلاق سندات المغتربين وصناديق استثمار موجهة للجاليات.
وإدماج التحويلات في خطط التنمية الوطنية بدل تركها في الهامش.
وتشجيع تحويل جزء من هذه الأموال إلى مشروعات صغيرة ومتوسطة.
و اخيرا فتحويلات المغتربين الأفارقة ليست مجرد تدفقات مالية، بل هي تعبير اقتصادي عن الترابط الاجتماعي والهجرة القسرية والطموح الإنساني. إنها أموال تحمل في طياتها قصص تعب واغتراب، لكنها في الوقت ذاته قادرة على إعادة تشكيل الاقتصادات إذا ما تم استثمارها بوعي.
المستقبل لا يتطلب زيادة هذه التحويلات بقدر ما يتطلب إدارة أذكى لها، لتحويلها من شبكة أمان اجتماعي إلى قاطرة تنمية حقيقية تعيد تعريف علاقة إفريقيا بأبنائها في الخارج.
سالي عاطف تكتب: تحويلات المغتربين الأفارقة.. شريان اقتصادي لحاضر الدولة ومستقبلها