قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

«طعنات في الغربة».. القصة الكاملة لمأساة رشا سالم من حلم الاستقرار إلى جريمة من زوجها الإماراتي أنهت حياتها وجنينَيها

رشا سالم
رشا سالم

لم تكن رشا سالم تعلم أن صبرها الطويل سيقودها إلى نهاية مأساوية، ولا أن الغربة التي لجأت إليها بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا ستتحول إلى مسرح لجريمتها الأخيرة. كانت أمًا مصرية بسيطة، حلمها الأكبر أن تحافظ على بيتها وأطفالها، حتى وإن كان الثمن تنازلات متكررة وصمتًا مؤلمًا. لكنها لم تكن تدري أن هذا الصمت سيُقرأ يومًا باعتباره ضعفًا، وأن خلافات بيتها ستتحول إلى مأساة تهز مشاعر الجميع.

قصة رشا ليست مجرد خبر عابر في سطور الحوادث، بل حكاية إنسانية موجعة، كتبت فصولها بين الحوامدية في مصر ومدينة العين في دولة الإمارات العربية المتحدة، وانتهت بصرخة أم مكلومة، وأربعة أطفال صاروا فجأة بلا أم، وجنينين رحلا معها قبل أن يريا النور.

من الحوامدية إلى مدينة العين.. رحلة زواج وأمل

كانت رشا سالم، فتاة مصرية من أسرة بسيطة، تزوجت من رجل إماراتي وانتقلت للعيش معه في مدينة العين. هناك بدأت حياتها الجديدة، حاملة آمالًا كبيرة في تكوين أسرة مستقرة. أنجبت أربعة أطفال، وكرست سنوات عمرها لرعايتهم، محاولة أن تخلق لهم بيئة آمنة رغم ما كان يتصاعد خلف الأبواب المغلقة من خلافات زوجية.

بحسب رواية أسرتها، كانت رشا تميل دائمًا إلى الاحتواء، تفضل الصمت على المواجهة، والتنازل على الصدام. كانت تؤمن أن الحفاظ على البيت أولوية، وأن الأطفال يستحقون أن يكبروا في ظل أسرة متماسكة، حتى لو كان ذلك على حساب راحتها الشخصية.

لكن مع مرور الوقت، لم يعد الصمت حلًا، بل تحول إلى عبء ثقيل. الخلافات لم تتوقف، بل تصاعدت، وبدأت تأخذ منحى أكثر حدة وخطورة.

عندما يصبح القانون الملاذ الأخير

أمام تصاعد المشكلات، قررت رشا أن تلجأ إلى القانون. خطوة لم تكن سهلة على امرأة اعتادت الصبر، لكنها شعرت أن الأمان داخل منزلها بات مهددًا. حررت محضرًا ضد زوجها، وتمكنت من الحصول على قرار بتمكينها من مسكن الزوجية مع أطفالها.

الحكم القضائي منحها أملًا جديدًا في استعادة قدر من الاستقرار، لكنه بحسب رواية المقربين لم يلق قبولًا لدى الزوج. فبدلًا من أن يكون القرار بداية تهدئة، أصبح شرارة جديدة في صراع لم يخمد.

وأكدت أسرتها أنها طلبت العودة إلى مصر برفقة أطفالها، بعدما شعرت أن حياتها لم تعد آمنة، إلا أن الزوج رفض رفضًا قاطعًا، وأصر على أن تعود بمفردها دون الأطفال. عند تلك النقطة، دخلت الأزمة مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث باتت الخيارات تضيق أمامها.

«كانت بتكلمني الساعة 8».. تفاصيل الساعات الأخيرة

في الحوامدية، لم يكن أحد يتوقع أن يتحول صباح عادي إلى صدمة كبرى. يقول أحمد عبد البر، أحد جيران الأسرة والمقربين منها، إن الخبر نزل كالصاعقة: «كنا قاعدين عادي، وفجأة حد بيقول رشا اتقتلت! استغربنا جدًا.. إزاي يعني؟».

بحسب روايته، كانت والدة رشا قد تحدثت معها في الثامنة مساءً، وكانت تبدو طبيعية، لم تشتكِ من شيء، ولم تلمح إلى خطر وشيك. لكن في صباح اليوم التالي، جاء الاتصال المفجع من المدرسة الخاصة بأطفالها في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث أبلغهم الزوج بأنه قتلها.

لحظة سماع الخبر كانت كفيلة بانهيار الأم. صرخاتها اخترقت سكون المكان، وتجمع الجيران والأقارب في حالة من الذهول. كيف تحولت خلافات زوجية إلى جريمة قتل؟ ولماذا وصلت الأمور إلى هذا الحد؟

طعنات أنهت حياتها.. ومأساة تتضاعف

بحسب رواية الأسرة، تطورت المشاحنات بين الزوجين بشكل مأساوي، إذ أقدم الزوج على الاعتداء عليها داخل مسكنها، وسدد لها عدة طعنات متفرقة أودت بحياتها في الحال.

الفاجعة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد تبين أن رشا كانت حاملاً في شهرها الرابع بتوأم. رحلت الأم، ومعها روحان لم تكتمل قصتهما بعد. مأساة مضاعفة، جعلت الحزن أعمق، والأسئلة أكثر قسوة.

أربعة أطفال وجدوا أنفسهم فجأة بلا أم، في بلد بعيد عن أهلها، يواجهون صدمة الفقد وغربة المكان في آن واحد.

«رشا كانت محترمة جدًا».. سيرة طيبة وشهادة الجيران

يتحدث أحمد عبد البر بحرقة واضحة عن رشا، مؤكدًا أنها كانت سيدة ذات أخلاق عالية وسيرة طيبة بين الناس. يقول: «أنا متربي وسطهم، واشتغلت زمان وأنا طفل صغير مع الحاج محمد رضوان، كانوا ناس على قد حالهم بيبيعوا خضار. رشا كانت محترمة جدًا، مظلومة ومقتولة ظلم».

ويضيف أنها كانت بارة بوالديها، ملازمة لأهلها، ذات شخصية هادئة، لم يُعرف عنها سوى الطيبة وحبها لأبنائها. لم تكن تسعى إلى صدام، بل إلى حياة هادئة تحفظ كرامتها وكرامة أطفالها.

شهادات الجيران لم تكن مجرد كلمات تعزية، بل محاولة لتثبيت صورة إنسانية لامرأة رحلت في ظروف قاسية، تاركة خلفها ذكرى طيبة ووجعًا كبيرًا.

القبض على الزوج والتحقيقات الجارية

في أعقاب الجريمة، ألقت السلطات في دولة الإمارات العربية المتحدة القبض على الزوج، وبدأت التحقيقات في ملابسات الواقعة. القضية تخضع حاليًا للإجراءات القانونية هناك، وسط ترقب من أسرة الضحية التي تتابع التطورات من مصر بقلوب مثقلة بالحزن.

حتى الآن، لا يزال جثمان رشا في الإمارات، بينما تقف أسرتها عاجزة عن السفر، لا تملك سوى الدعاء والمناشدات، في انتظار إنهاء الإجراءات وعودة ابنتهم إلى أرض الوطن لدفنها بين أهلها.

غربة مضاعفة.. أطفال بلا أم وسؤال بلا إجابة

أصعب ما في القصة ليس فقط تفاصيل الجريمة، بل مصير الأطفال الأربعة. في لحظة، فقدوا أمهم، وخسروا أيضًا الأمان الذي كانت تمثله لهم. يعيشون الآن غربة قاسية، بلا أم تحتضنهم، ولا إجابة شافية عن سؤال سيكبر معهم: لماذا؟

قضية رشا سالم تكشف عن هشاشة بعض العلاقات حين تتحول الخلافات إلى عنف، وعن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه المرأة حين تختار الصبر طويلًا. كما تعيد طرح تساؤلات حول آليات الحماية، ودور القانون، وكيف يمكن منع تصاعد النزاعات قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة.

 

رحلت رشا سالم، لكن قصتها لم تنتهِ برحيلها. بقيت شاهدًا على مأساة إنسانية مؤلمة، ضحيتها أم كانت تحلم فقط بحياة مستقرة لأطفالها. لم تطلب أكثر من بيت آمن وقلوب هادئة، لكن القدر كتب لها نهاية مختلفة.

قضيتها ليست مجرد رقم في سجل الحوادث، بل جرح مفتوح في قلب أسرتها، وذكرى موجعة لأطفال سيكبرون على حكاية أم رحلت مبكرًا. وبين الحوامدية ومدينة العين، تبقى القصة رسالة موجعة بأن العنف لا يترك خلفه إلا الخراب، وأن الصمت الطويل قد يخفي وراءه ألمًا لا يُرى.. حتى يفوت الأوان.