اليوم لا أُحدِّثكم عن السياسة، ولا الفن، ولا المؤامرة الكبرى،
بل أُحدِّثكم خلال سطور هذا المقال عن مأساة أسرةٍ من الصمّ والبكم، إضافةً إلى إعاقةٍ بصريةٍ تُضاعف هشاشتها أمام هذا العالم القاسي.
نحن هنا لا نناقش تحليلات، ولا نصطفّ في معسكرات رأي، ولا نبحث عن عناوين مثيرة. نحن أمام قصة إنسانية خالصة، مجرّدة من كل شيء إلا الألم.
في أحد أحياء الأطراف، عاشت أسرة بسيطة، عالمها محدود، لكنه مترابط. أبٌ أصمّ أبكم كان عماد البيت، وأمّ صمّاء كفيفة، وطفلان يحملان الإعاقة ذاتها. كان الصمت لغتهم، والعمل لغة الأب، والصبر لغة الأم. لم يكن لديهم فائض من الدنيا، لكن كان لديهم سترٌ وأمان بوجود المعيل الوحيد.
إلى أن وقعت الجريمة.
على الطريق الدائري، اعترض لصوص طريق الأسرة، وانتهى المشهد بقتل الأب أمام زوجته وأطفاله من أجل سرقة دراجة نارية. سقط السند، وانهار الجدار الأخير الذي كان يحمي هذا البيت الهش.
ومنذ تلك اللحظة، دخلت الأسرة في دائرة الفقر المدقع. اليوم تعيش الأم وطفلاها على بواقي طعام الجيران. لا مصدر دخل، لا قدرة على العمل، لا عائل. مجرد انتظار يومي لما قد يجود به الآخرون من فائض طعام يسدّ رمقهم.
ولكي نكون منصفين، فإن الدولة المصرية بذلت خلال السنوات الماضية جهودًا واضحة لدعم ذوي القدرات الخاصة. صدرت تشريعات تكفل حقوقهم، وتوسعت برامج الدمج التعليمي، وأُطلقت مبادرات رئاسية تعزز من تمكينهم، كما تم توفير بطاقات الخدمات المتكاملة التي تمنح مزايا في العلاج والخدمات المختلفة، فضلًا عن برامج الحماية الاجتماعية للأسر الأولى بالرعاية. وقد أكدت القيادة السياسية مرارًا ضرورة دمج ذوي القدرات الخاصة في المجتمع وعدم تركهم خلف منظومة الرعاية.
هذه الجهود محل تقدير، وتعكس إرادة حقيقية لبناء مجتمع أكثر عدالة. لكن التحدي يظل في ضمان وصول تلك الخدمات إلى كل حالة، خاصة الحالات المركبة التي تجمع بين أكثر من إعاقة، وتعيش في مناطق هامشية.
وفي هذا الإطار، قامت مؤسسة إيزيس للخدمات الاجتماعية لدعم وتدريب وتعليم وتأهيل وتوظيف ذوي القدرات الخاصة – التابعة لوزارة التضامن الاجتماعي بدورها تجاه تلك الأسرة وفقًا لإمكاناتها المتاحة. فالمؤسسة، رغم معاناتها من ندرة الموارد، لم تتخلَّ عن مسؤوليتها الإنسانية، وقدمت ما تستطيع من دعم عاجل.
غير أن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن المؤسسة تعول حاليًا 303 أسرة من ذوي الإعاقات المختلفة، إضافة إلى مسنين لا عائل لهم. وهي توفر لهم، في حدود إمكاناتها، الطعام، والملابس، والبطاطين، والأدوية، والأجهزة التعويضية، والرعاية الطبية. كل ذلك يتم في ظل موارد محدودة وضغوط متزايدة.
ولهذا، فإن المؤسسة لا تستطيع بمفردها أن تتحمل عبء مساندة هذه الأسرة المكلومة بشكل كامل ومستدام، مهما بلغ إخلاص القائمين عليها. فالاحتياج أكبر من الطاقة، والواجب أوسع من الإمكانات.
من هنا، فإننا نوجّه مناشدة صادقة إلى رجال الأعمال وأصحاب المسؤولية المجتمعية: إن دعم مثل هذه الحالات ليس إحسانًا عابرًا، بل واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا. هذه أسرة تحتاج إلى كفالة حقيقية، إلى مصدر دخل ثابت، إلى إعادة بناء حياة سقطت فجأة.
المجتمع القوي هو الذي لا يترك أضعف أفراده لمواجهة المصير وحدهم. والدولة حين تفتح الباب للرعاية، فإن تكامل الجهود بين القطاعين الرسمي والأهلي ورجال الأعمال يصبح ضرورة، لا خيارًا.
اليوم لا أكتب عن سجال، ولا عن قضية خلافية.
اليوم أكتب عن أمٍّ كفيفة وطفلين من ذوي الإعاقة يعيشون على بقايا الطعام، وعن مؤسسة تبذل ما تستطيع رغم قلة الموارد،
وعن مسؤولية جماعية تنتظر من يحملها بصدق.
إن لم نستطع أن نمنع المأساة، فلنمنع استمرارها.
ولنثبت أن في هذا الوطن من لا يقبل أن يتحول الألم إلى قدرٍ دائم.
نجاة عبد الرحمن تكتب: صمتٌ لا يحتمل التأجيل