مع اقتراب شهر رمضان تبدأ نسمات الخير في الهبوب على القلوب قبل البيوت، ويشعر الناس وكأن الهواء نفسه يتغير ويصبح اكثر دفئا وطمأنينة. ايام قليلة تفصلنا عن هذا الشهر الكريم، لكن الاستعداد له في مصر لا يكون في يوم او يومين، بل هو حالة عامة تعيشها الشوارع والبيوت والاسر. فشهر رمضان عند المصريين ليس مجرد عبادة وصيام فقط، بل هو موسم فرح وروحانية واجتماع ومحبة تتجدد كل عام.
في الشوارع تبدأ المظاهر مبكرا، فترى الفوانيس معلقة على الابواب وفي البلكونات، وتجد الاطفال يجرون بها في الازقة وهم يغنون ببراءة وفرحة. المحلات تزين واجهاتها بالاضواء والزينة الملونة، وتفوح روائح الياميش والتمر والمكسرات من الاسواق، فيشعر المار انه دخل عالما مختلفا مليئا بالحيوية. حتى البائعون ينادون على بضائعهم بنغمة خاصة وكأنهم يعلنون قدوم ضيف عزيز ينتظره الجميع.
اما داخل البيوت فالحكاية لها طابع اخر، حيث تبدأ الامهات في تجهيز قوائم الطعام وشراء الاحتياجات، ليس بدافع الاستهلاك فقط بل بدافع الكرم وحب العطاء. المصري بطبيعته يحب ان يكون بيته عامرا في رمضان، فيحرص على وجود التمر والعصائر والمشروبات التقليدية، ويستعد لاستقبال الضيوف ولموائد الرحمة التي تعد سمة اساسية من سمات الشهر. فالكرم في هذا الوقت لا يكون عادة اجتماعية فقط بل عبادة يتقرب بها الناس الى الله.
الاستعداد الروحي لا يقل اهمية عن المظاهر المادية، فكثير من الناس يبدأون في تهيئة انفسهم بقراءة القرآن والاكثار من الدعاء ومحاولة تصفية القلوب من الخلافات. تسمع عبارات المسامحة تتردد بين الاصدقاء والاقارب، ويشعر الجميع برغبة في فتح صفحة جديدة. فشهر رمضان عند المصريين فرصة سنوية للمراجعة والتقرب من الله واعادة ترتيب الاولويات.
ولعل اجمل ما يميز انتظار رمضان في مصر هو روح الجماعة، فالصيام لا يكون تجربة فردية بل تجربة يعيشها المجتمع كله. مواعيد العمل تتغير، والاسر تحرص على الافطار معا، والاصدقاء يتواعدون على السحور. حتى البرامج التلفزيونية والاذاعية تكتسب طابعا خاصا، فتشعر ان البلد كلها تدق على نفس الايقاع.
نسمات الخير التي تسبق رمضان ليست مجرد تعبير ادبي، بل حقيقة يلمسها كل من يعيش هذه الايام. هي حالة من الشوق الممزوج بالفرح، ومن الحنين الممزوج بالسكينة. ومع كل عام يتجدد هذا الشعور وكأنه المرة الاولى، فيبقى رمضان في قلوب المصريين ضيفا كريما لا يمل حضوره، بل ينتظرونه دائما بلهفة وحب وامل في ايام مليئة بالخير والبركة.
بلال قنديل يكتب: نسمات الخير