في الوقت الذي تُسجل فيه المحاكم أرقامًا رسمية لحالات الطلاق، تتنامى ظاهرة أخرى أقل ظهورًا وأكثر تعقيدًا، يصفها خبراء العلاقات باسم “الطلاق الصامت”. وهي حالة يعيش فيها الزوجان تحت سقف واحد دون تواصل عاطفي حقيقي، في علاقة تستمر شكليًا بينما تنتهي فعليًا على المستوى النفسي.
أكد الدكتور محمد هاني أخصائي الصحة النفسية واستشارى العلاقات الأسرية فى تصريحات خاصة لـ صدى البلد، أن الطلاق الصامت لا يقل خطورة عن الانفصال الرسمي، بل قد يكون أشد تأثيرًا على الصحة النفسية، خاصة لدى النساء، نظرًا لطول فترة التعايش مع مشاعر الإهمال والبرود العاطفي.
انفصال بلا أوراق رسمية

بحسب خبراء علم الاجتماع، الطلاق الصامت هو حالة من الانفصال العاطفي الكامل بين الزوجين دون اتخاذ قرار قانوني بالطلاق. تختفي فيه مشاعر المودة والرحمة، ويحل محلها التعايش الإجباري من أجل الأبناء أو الظروف المادية أو الخوف من نظرة المجتمع.
وتشير دراسات اجتماعية حديثة إلى أن الضغوط الاقتصادية، وتسارع نمط الحياة، والتأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين الأزواج خلال السنوات الأخيرة.
لماذا تزداد الظاهرة؟
أخصائيون نفسيون يربطون انتشار الطلاق الصامت بعدة أسباب، أبرزها:
ضعف مهارات التواصل بين الزوجين
تراكم الخلافات الصغيرة دون حل
الانشغال الدائم بالعمل والمسؤوليات
غياب التقدير والاحتواء العاطفي
تغير الأولويات بعد سنوات الزواج
ويؤكد الخبراء أن كثيرًا من الأزواج لا ينتبهون إلى بداية التباعد، إذ يبدأ الأمر بصمت مؤقت، ثم يتحول تدريجيًا إلى نمط حياة دائم.
النساء الأكثر تأثرًا
تشير تقارير نفسية إلى أن النساء غالبًا ما يشعرن بأثر الطلاق الصامت بصورة أعمق، نظرًا لاحتياجهن المرتفع إلى الأمان العاطفي والتواصل الوجداني. ومع استمرار البرود في العلاقة، قد تظهر أعراض مثل:
- القلق المزمن
- اضطرابات النوم
- انخفاض تقدير الذات
- الشعور بالوحدة رغم وجود الشريك
ويرى متخصصون أن استمرار هذه الحالة لسنوات قد يؤدي إلى اكتئاب صامت يصعب اكتشافه مبكرًا.
تأثيره على الأبناء
رغم بقاء الأسرة متماسكة ظاهريًا، إلا أن الخبراء يحذرون من أن الأطفال يتأثرون بالصمت والتوتر غير المعلن داخل المنزل. فغياب الحوار والمودة بين الوالدين قد يخلق لديهم صورة مشوشة عن مفهوم العلاقة الصحية.
بعض الدراسات أوضحت أن الأطفال الذين ينشأون في بيئة يسودها التباعد العاطفي قد يعانون مستقبلًا من صعوبة في بناء علاقات مستقرة.
هل يمكن علاج الطلاق الصامت؟
المختصون يؤكدون أن التدخل المبكر قد يعيد الدفء إلى العلاقة. من بين الحلول المقترحة:
جلسات الإرشاد الأسري
إعادة فتح قنوات الحوار بهدوء
تخصيص وقت مشترك بعيدًا عن الضغوط
التعبير الصريح عن الاحتياجات العاطفية
ويشدد الخبراء على أن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل، فالكثير من الأزواج يرفضون توصيف حالتهم على أنها انفصال عاطفي.
بين الاستمرار والانفصال
يبقى السؤال الأهم: هل الاستمرار في علاقة بلا حب أفضل من الطلاق الرسمي؟
الخبراء يرون أن الإجابة تختلف من حالة لأخرى، لكنهم يتفقون على أن الصحة النفسية والاستقرار العاطفي عنصران أساسيان لا يجب التضحية بهما لفترة طويلة.









