في اللحظة التي يترقب فيها أكثر من مليار وتسعمائة مليون مسلم هلال رمضان، تكون شاشات التداول العالمية قد سبقتهم إلى الاستعداد. ترتفع عقود القمح، تتحرك أسعار النفط، وتُعاد تسعير سلاسل الإمداد قبل أن تُعاد موائد الإفطار. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تتعامل الأسواق العالمية مع رمضان كدورة اقتصادية يمكن إدارتها بكفاءة، أم كموسم مضاربة مفتوح لا يعترف بحساسية التوقيت؟
اقتصاديًا، رمضان ليس مفاجأة. إنه حدث دوري يمكن التنبؤ بتأثيره على الطلب الغذائي واستهلاك الطاقة في عشرات الدول. ومع ذلك، تتكرر الظاهرة ذاتها كل عام: ارتفاعات سعرية تتجاوز منطق العرض والطلب الفعلي. ففي أسواق العقود الآجلة، يكفي توتر جيوسياسي محدود أو اضطراب محتمل في ممر شحن حتى تُسعَّر المخاطر كاملة — وأحيانًا مضاعفة — قبل أن يتأثر المعروض فعليًا.
تقارير صندوق النقد الدولي تؤكد أن الدول المستوردة الصافية للغذاء والطاقة هي الأكثر عرضة لصدمات الأسعار العالمية. ومع اقتراب مواسم استهلاك مرتفع مثل رمضان، تتضاعف الحساسية الاقتصادية. لكن الهشاشة لا ترتبط فقط ببنية الاقتصاد المحلي، بل أيضًا بطبيعة النظام التجاري الدولي الذي يسمح بتحويل “التوقعات” إلى مكاسب فورية في البورصات، بينما تتحول إلى أعباء ممتدة على الموازنات العامة والأسر محدودة الدخل.
في أسواق الطاقة، تُظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن جزءًا معتبرًا من تقلبات أسعار النفط يرتبط بعوامل نفسية وسلوكية وتوقعات مستقبلية، لا باختلال فوري في الإنتاج أو المخزون. ومع ذلك، تتحمل الدول المستوردة الكلفة الكاملة لتسعير المخاطر. السؤال هنا ليس عن آلية السوق، بل عن حدودها: إلى أي مدى يصبح تسعير التوقعات أداة تضخيم لا تعكس الواقع بقدر ما تصنعه؟
المفارقة الأبرز تكمن في ازدواجية المعايير الاقتصادية. حين تهدد أزمة مالية بنوكًا كبرى في اقتصادات متقدمة، تُضخ مئات المليارات في برامج إنقاذ وتحفيز نقدي لحماية الاستقرار الداخلي. أما حين تواجه دول نامية موجات تضخم غذائي في موسم اجتماعي حساس، تُنصح بضبط الإنفاق، ورفع أسعار الفائدة، وتقليص الدعم. القواعد واحدة في الخطاب، مختلفة في التطبيق.
رمضان، من منظور اقتصادي بحت، يمثل ذروة طلب يمكن التخطيط لها عبر بناء مخزونات استراتيجية، وإبرام عقود توريد طويلة الأجل، وتفعيل أدوات التحوط الذكية. غير أن فعالية هذه السياسات تظل محدودة إذا كانت البيئة الدولية تسمح بمضاربات مفرطة على السلع الأساسية. فآليات التحوط التي وُجدت لتقليل المخاطر تتحول أحيانًا إلى رهانات قصيرة الأجل تُغذي التقلبات بدل أن تمتصها.
هنا يبرز مفهوم يمكن تسميته بـ “التضخم الأخلاقي” في الاقتصاد العالمي: خطاب واسع عن الاستدامة والشمول المالي وحماية الفئات الهشة، يقابله بطء في وضع ضوابط فعالة تكبح التقلبات غير المبررة في أسعار الغذاء والطاقة. حرية السوق لا تعني غياب المسؤولية، كما أن الكفاءة لا تنفصل عن الاستقرار الاجتماعي.
لا يدعو هذا الطرح إلى الانغلاق أو تقويض قواعد التجارة الدولية، بل إلى إعادة توازن الحوافز داخلها. شفافية أكبر في أسواق السلع، رقابة أدق على المضاربات المفرطة، تنسيق دولي لحماية سلاسل الإمداد في المواسم الحساسة، وتوسيع أدوات التمويل الميسر للدول الأكثر تعرضًا للصدمات. الاقتصاد المفتوح يظل محركًا للنمو، لكنه يحتاج إلى حوكمة تمنع تحوله إلى مصدر دائم لعدم اليقين.
إذا كان رمضان موعدًا سنويًا معروفًا بدقته، فلماذا تتحول آثاره السعرية إلى مفاجأة متكررة؟ وإذا كانت المخاطر قابلة للإدارة، فلماذا تُترك لتتحول إلى أرباح آنية وخسائر ممتدة؟ يبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح في قلب صفحة الاقتصاد: هل تستطيع المنظومة الاقتصادية العالمية أن توازن بين حرية التسعير وعدالة الأثر، أم سيظل الانضباط مطلوبًا من المستهلك وحده بينما تبقى الأسواق خارج أي مساءلة حقيقية؟
ياسمين عبده تكتب: رمضان والأسواق العالمية.. اقتصاد بلا ضمير !