يصعب أن ننكر ماهية حب الذات، وتوازن الأنا؛ فهذا أمر مشروع، يتحقق على إثره مزايا الاتزان الانفعالي، ويخلق مناخًا إيجابيًا للفرد؛ إذ يستطيع أن يعزز لديه مفهوم العطاء، والعمل بجد، واجتهاد من أجل بلوغ أهداف مشروعة، قد لا تتوقف ثمرتها عليه فقط، بل، يصبح النفع العام منها هو الأبقى أثرًا؛ لكن عندما تتزايد معدلات العُجْب أو الزَّهْو، أو الوصول إلى عتبة الأنانية، بما يؤكد على أن مشاعر الإنسان قد أضحت مجمدة؛ فإن الأمر بات يعبر عن مغزى يسمى بالنرجسية.
أعتقد أن طبيعتنا الإنسانية تنحو تجاه ما فطرنا عليه من خصائص مشتركة، يأتي في هرميتها التعاطف الوجداني، الذي يعد مقومًا رئيسًا للتماسك المجتمعي بكل أنماطه، وهذا يساعد على تعزيز ممارسة الأخذ، والعطاء، وتعضيد أطر التعاون، وتحسين سبل الشراكة؛ ومن ثم فإن ذلك يسهم في خلق حالة من الاندماج، التي نرصدها في استقرار المجتمعات المتفاعلة؛ إذ تشاهد صورًا من الإيثار باعتباره من ملامح الرقي البشري؛ لكن النرجسية ترفض ما تقدم سرده جملة، وتفصيلًا.
النرجسي له رؤى، وقناعات، تستمد من ضبابية المشهد بالنسبة له؛ فالجميع بالنسبة له أدوات، يحاول أن يوظفها من أجل أن يصل إلى ضالته، أو يحقق مآربه، ويتضح ذلك من خلال إنكار جهود الآخرين، وتعظيم ما يؤديه من مهام، ولو بسيطة؛ لذا لا ينتظر تعزيز الغير، بل، يطلبه؛ ليشعر بالزَّهْو، وهذا النوع من البشر يتأكد في داخله أمر يؤمن به؛ ألا وهو ضعف ذاته الأصيلة، وهشاشتها؛ ومن ثم فإنه يدرك عيبه، ويعمل على ألا يكشفه أحد من محيطه، وبناءً عليه فإنه يجاهد، ويكابد؛ كي يجمل الصورة، أو يصنع أخرى مزيفة؛ ليبدو لناظريه أنه يتسم بجميل التصرف، وحسن الصنيعة، وكمال الرؤية.
الذات النرجسية لا تتوقف عن صناعة الوهم، عبر الحديث عن إنجازات، لا تمت للواقع بصلة، ولا تتخلى عن فكرة التضخيم، والتهويل لجذب مسامع، أو أنظار الآخرين، ولا تتورع عن سخافة استحقاقية التقدير، كونها تمتلك من السمات المتفردة، ما لا يحوزه غيرها، وبالطبع لا معنى من التعاطف تجاه من يعاني الألم، أو الخذلان، أو يواجه من التحديات، ما لا تطيقه الجبال، وهذا لفقد نعمة الإحساس، واستبدالها بمشاعر التبلد، والبرود، وفي المقابل تقوم ثورته تجاه من يحقق النجاح، أو يحرز تقدمًا ملموسًا في مسيرة حياته العطرة؛ فترصد التحاسد، والتباغض، يفوح من جنبات أحاديثه المكررة في جملتها.
الشخص النرجسي نتعرف عليه من خلال بوابة النقد؛ فهو لا يتقبله، ولا يسمح به، ولا يعترف مطلقًا بسلبيات لديه، وترصد أن كافة تعاملاته بصورها المتباينة، تقوم على النفعية، دون غيرها؛ فلا يستوعب قاموسه فكرة العطاء، ولا يعي أهمية غرس بذور الخير؛ فكل شيء من وجهة نظره لها ثمن، وعند النقاش يحاول أن يستأثر بخيط الحديث؛ ليخلق المعجبين به، ويستوقف من يرغب في تبادل الحوار؛ ومن ثم ينسحب من موقف، يظهر لديه ضعفًا، أو يقلل من مكانته المرسومة في خلده.
تعالوا بنا نتيقظ تجاه من يقع فريسة للنرجسية منذ المهد؛ فنعمل عن قصد على تحويل ثقافة الإعجاب إلى لغة التقدير، والامتنان للآخرين؛ ومن ثم نهجر آليات المدح القائمة على امتلاك مهارات بعينها، ونتمسك بمدح السلوك، والأداء المعبر عن جهد مفعم بجمال حسن الخلق؛ فنصنع شخصية تحوز فلسفة الثقة بالذات، وبالطبع ينبغي أن نلهب مشاعر الإحساس بالآخرين، بواسطة المواقف المؤثرة، حتى يتخلى الفرد عن تعاطفه حول نفسه، وتوجيه وجدانه نحو من يستحق أن نشاركه اللحظة.
شركاء التربية يقع على عاتقهم التضافر، من أجل إمداد الفرد بالمعارف القويمة، التي تؤكد في معانيها على تقدير الذات، والآخرين، وحب النفس بالقدر المعتدل، وتعزيز لغة التواضع، وتفضيل الخدمة العامة عما سواها؛ ومن ثم نعضد مسيرة الاحتواء؛ كي لا تتحول النرجسية إلى ثقافة يكتسبها جيل، بات رهينا للرقمنة في عالم، يعج بالمفاهيم المشوبة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.