قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كيف تتحرك القاهرة لتثبيت حضورها داخل القارة وفي قلب الاتحاد الإفريقي

سالي عاطف
سالي عاطف

في لحظة تتغير فيها موازين القوى داخل القارة، تتحرك مصر بخطى محسوبة لإعادة تثبيت حضورها في أفريقيا، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، مستندة إلى أدوات الدولة الصلبة والناعمة معًا، وإلى موقعها داخل مؤسسات الاتحاد الإفريقي باعتباره الساحة الأهم لصياغة التوازنات القارية. المشاركة المصرية في دورة الاتحاد هذا العام لم تكن بروتوكولية، بل جاءت ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى تحويل الانخراط الإفريقي من خطاب سياسي إلى أرقام قابلة للقياس وتأثير ملموس على الأرض.
اقتصاديًا، تكشف الأرقام عن تسارع واضح. حجم التبادل التجاري بين مصر والدول الإفريقية تجاوز 9 مليارات دولار في العام الأخير وفق بيانات رسمية مصرية، بعد أن كان يدور حول 4 إلى 5 مليارات فقط قبل أقل من عقد. أكثر من ألف شركة مصرية تعمل حاليًا في الأسواق الإفريقية في مجالات المقاولات والطاقة والاتصالات والدواء والبنية التحتية. شركات مثل المقاولون العرب والسويدي إلكتريك تنفذ مشروعات في عشرات الدول، من شبكات كهرباء في شرق أفريقيا إلى طرق ومحاور في دول حوض النيل. هذا التمدد الاقتصادي يتكامل مع اتفاقية التجارة الحرة القارية، التي تدفع القاهرة نحو تعميق اندماجها في السوق الإفريقية التي تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة وناتجًا إجماليًا يتجاوز 3 تريليونات دولار.
على مستوى البنية التحتية والربط الإقليمي، تدفع مصر بقوة في مشروع طريق القاهرة–كيب تاون، الذي يربط شمال القارة بجنوبها عبر نحو عشرة دول، في رسالة رمزية وعملية بأن التكامل لا يكون بالشعارات بل بالإسفلت والموانئ وخطوط الكهرباء. كما تواصل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية تنفيذ عشرات البرامج التدريبية سنويًا لآلاف الكوادر الإفريقية في مجالات الأمن والصحة والدبلوماسية وإدارة الموارد المائية، وهو استثمار طويل الأمد في بناء النخب والعلاقات المؤسسية.
أمنيًا، تلعب القاهرة دورًا نشطًا في ملفات مكافحة الإرهاب وحفظ السلام. مصر تُعد من أكبر الدول المساهمة بقوات في بعثات حفظ السلام الأممية، وغالبية انتشارها في أفريقيا، كما تستضيف مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، ما يمنحها موقعًا مؤثرًا في مرحلة ما بعد الصراعات، من ليبيا إلى الساحل. وخلال مناقشات الدورة الأخيرة للاتحاد، دفعت مصر باتجاه توفير تمويل مستدام للعمليات الإفريقية لمكافحة الإرهاب، بدل الاعتماد الكامل على المانحين الدوليين، وهو طرح يرتبط مباشرة بأمنها القومي في ظل امتداد تهديدات الساحل والقرن الإفريقي.
سياسيًا، تحرص القاهرة على التواجد المكثف في القمم واللجان المتخصصة، مع تكثيف الزيارات الرئاسية والوزارية لدول شرق وغرب ووسط القارة. هذا الحراك الدبلوماسي ترافق مع دعم واضح لإصلاح المؤسسات القارية وتعزيز صوت أفريقيا في المحافل الدولية، خاصة بعد حصول الاتحاد الإفريقي على مقعد دائم في مجموعة العشرين، وهو تطور ترى فيه مصر فرصة لإعادة صياغة موقع القارة في النظام الاقتصادي العالمي.
يبقى ملف مياه النيل حاضرًا في خلفية كل تحرك مصري داخل أفريقيا، خصوصًا في ظل تعقيدات التفاوض مع إثيوبيا حول سد النهضة. القاهرة تدرك أن المعركة لم تعد فنية فقط، بل سياسية وقارية، ولذلك تعمل على بناء شبكة أوسع من الشراكات داخل الاتحاد الإفريقي، لضمان تفهم أعمق لمصالحها المائية باعتبارها قضية وجود لا مجرد خلاف حدودي. في هذا السياق، تحاول مصر الموازنة بين الدفاع الصارم عن حقوقها التاريخية، وبين الحفاظ على خطاب إفريقي تضامني لا يضعها في مواجهة مباشرة مع بقية دول الحوض.
نتائج التحرك المصري هذا العام يمكن قراءتها في اتساع الحضور الاقتصادي، واستمرار الانخراط الأمني، وتعزيز الموقع المؤسسي داخل هياكل الاتحاد. غير أن التحدي الأكبر يظل في تحويل هذا الزخم إلى شراكات إنتاجية عميقة، لا تقتصر على تصدير السلع والخدمات، بل تمتد إلى التصنيع المشترك والاستثمار المتبادل. فالقارة نفسها تشهد تنافسًا حادًا بين قوى إقليمية ودولية، من الصين إلى تركيا وروسيا والاتحاد الأوروبي، وكلها تتحرك بأدوات مالية واستثمارية ضخمة.
في المحصلة، تبدو مصر هذا العام وكأنها تعيد اكتشاف عمقها الإفريقي بلغة المصالح والأرقام، لا فقط بلغة التاريخ والجغرافيا. مشاركتها في دورة الاتحاد الإفريقي لم تكن حدثًا عابرًا، بل جزءًا من معركة نفوذ هادئة تدور داخل قاعة الاجتماعات وخارجها. وبين الطموح إلى قيادة إقليمية أوسع، وضرورات حماية الأمن القومي، تتحرك القاهرة في مساحة دقيقة، تدرك فيها أن مستقبلها الاستراتيجي لا ينفصل عن مستقبل أفريقيا نفسها