قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: عام من التناقضات والمخاوف

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

السخونة التي بدأ بها عام 2026 خطواته السياسية الأولي تنذر بما هو أشد لهيباً..
اختطاف نيكولاس مادورو وقرصنة البترول الفنزويلي، تصاعد التوترات بين أمريكا وإيران، مؤتمر دافوس الاقتصادي وتداعياته، انتهاء المرحلة الأولي من خطة السلام فى غزة وعرقلة المرحلة الثانية من الجانب الإسرائيلي، أحداث حضرموت واليمن التي انتهت بإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، محاولات انفصالية هنا وهناك قام على إثرها تحالف إقليمي بين كبري دول المنطقة: مصر والسعودية وتركيا.. كل هذا وأكثر خلال أسابيع وأيام!
لا أجد وصفاً أبلغ من "التناقضات والمخاوف" لأصف به العام الحالي، حيث تلتقي الأضداد وتختلط المفاهيم وترتبك جميع الحسابات السياسية. وحيث يتهدد النظام العالمي انهيار فى كيانه وأسسه وهيكله، وحيث يرتعب العالم من أحداث وتحولات عسكرية وسياسية واقتصادية قد تعصف في طريقها الشائك بكل المسلمات! 
والآن؛ تقف فضيحة "إبستين" وحدها كنموذج صارخ للعفن الذي تغلغل فى منظومة دولية توشك أن تنهد..
وصمة إبستين
 نحو عشرين مليون وثيقة، لم تظهر منها إلا ثلاثة ملايين باتت تحت يد أعضاء الكونجرس الأمريكي، ولن تتوقف كاسحة الألغام الإبستينية عن جرف ألغامها فى طريق الفضيحة الممتد!
أصبح اسم (إبستين) فى ذاته لعنة كافية أن تصيب من يرتبط به بوصمة لا تمحي! كإعصار يطيح بكل ما يقف فى وجهه؛ أو قل كوباء جهنمي يصم المتهم به بوصمة أبدية كأنها الإيدز! ذلك الذي استنحر أو انتحر تاركاً خلفه طابوراً من الفضائح التي نالت من شخصيات ملء السمع والبصر، أصبحت وثائق جزيرته الملعونة كالبعبع فى السياسة الدولية! ولا تزال تداعيات نشر وثائق إبستين مستمرة ولن تقف عند حد.. 
أقامت أوروبا الدنيا ولم تقعدها؛ ففي بريطانيا تم إنشاء مجموعة وطنية مشتركة للتعامل مع الاتهامات والشكاوي والادعاءات ضد شخصيات بارزة فى العائلة المالكة وضد رجال سياسة بارزين، أدت لاستقالة كبيرة المستشارين القانونيين فى "جولدمان ساكس" من منصبها. وهو ما تكرر فى النرويج؛ حيث استقالت "مونا يول" سفيرة النرويج والنائبة السابقة بوزارة الشئون الخارجية، وبدأت التحقيقات تشمل العائلة الملكية النرويجية. وفي الإمارات حدثت استقالات وإقالات تحت تأثير الفضيحة. ووصلت الوصمة اللعينة أنها أطاحت بإداريين فى جامعة كولومبيا لاتهامهم بتسهيل التحاق صديقة لإبستين بالجامعة! ولن يتوقف طوفان الإقالات والاستقالات الجارف..
فى أمريكا لم تتوقف أخبار تأثيرات الوثائق منذ أفرجت عنها وزارة العدل. ما تزال الوثائق تفعل فعلها الهائل فى وصم الشخصيات الأمريكية البارزة في السياسة والاقتصاد، وقد يصبح "ترامب" نفسه أحد ضحاياها القادمين؛ الأمر الذي دفعه للظهور داعياً لإغلاق القضية وطي صفحتها للتركيز على ملفات داخلية أخري، مدعياً أن وثائق إبستين؛ التي شملت صوراً ورسائل جمعت بين إبستين وترامب، لم تجزم بشيء ضد ترامب! إنها لعنة تطارد ساكن البيت الأبيض، قد لا يجد طريقة لدفعها وإزالة أثرها إلا بالهرب منها فى اتجاه الحرب!
خلف ستار المفاوضات
بعد أن قامت أمريكا بتجييش قواتها وحشد قواتها وتجهيز قواعدها البرية والبحرية، دعت إيران لمفاوضات تحت الضغط العسكري! والطرفان يعلمان مسبقاً أنها مفاوضات لن تصل بهم إلى شيء فى ظل تصعيد وتحريض إسرائيلي مستمر لتقويض قدرات إيران الصاروخية والنووية..
جاءت تصريحات وأفعال ترامب فى أعقاب اللقاء بينه وبين نتنياهو متضاربة متناقضة؛ ففيما صرح بأنه يميل للتفاوض مع إيران، قام بعدها فوراً بإرسال حاملة الطائرات الضخمة: "جيرالد فورد" فى اتجاه الخليج العربي! فمن أين يحشد للحرب ثم يدعو للتفاوض؟
طبقاً لتوقعات أغلب المحللين؛ فإن الوضع يتجه نحو تصعيد خطير ومخيف. قد تشتعل الحرب بعد وصول حاملة الطائرات الثانية للمنطقة، وبعد أن تتم إسرائيل استعداداتها الدفاعية والهجومية. وهناك أنباء عن احتمال تدخل بعض قوات "دلتا" الأمريكية برياً فى ضربة قد تكون هي الأعنف والأشمل ضد إيران.
ثمة اختراق سيبراني وتقني يجري الآن؛ حيث تم إدخال ما يزيد عن سبعة آلاف جهاز مرتبط بالأقمار الصناعية "ستارلنك" لدعم المهمات الاستطلاعية والمخابراتية فى حرب أمريكا ضد إيران، وهو ما يدعم نية أمريكا للحرب لا للتفاوض. فخلف أستار المفاوضات المزعومة يجري الاستعداد للحرب بكل قوة!
تحالف الأنداد
لعل أهم ما يجري الآن علانية أو خلف الكواليس تحالفات القوي استعداداً للمجهول القادم..
وهي ليست تحالفات تقليدية ولا منطقية فى أغلبها، بل إن أكثر تحالفات اليوم العسكرية والسياسية والاقتصادية تسير عكس التوقع وضد المنطق!
فها هي أوروبا وكندا يعلنان اتفاقيات اقتصادية كبري مع الصين، ومثلها مع الهند. وها هي السعودية تضع يدها فى يد باكستان ثم تدير يدها نحو جيرانها لتؤسس تحالفاً سياسياً بينها وبين مصر وتركيا. وها هي ألمانيا تسعي لإجراء مناورات مشتركة مع تركيا، وها هي أمريكا اللاتينية تبحث عن تحالفات إقليمية جديدة تصد بها الهجمة الأمريكية التي تستهدف ثروات القارة!
العالم كله يتجهز للقادم، أو  قل  إنه يعيد التكتل وفق خارطة جديدة تبدو فوضوية ومتخبطة ومتناقضة. ولهذا نري نتائج غريبة فى الانتخابات حول العالم؛ ففي بنجلاديش وفى أعقاب الإطاحة برئيسة الوزراء "الشيخة حسينة" حصل حزب بنجلاديش الوطني على أغلبية برلمانية تؤهله لتشكيل الحكومة، كما نال حزب الجماعة الإسلامية على عدد كبير من المقاعد فى تحول ملفت. وفى تايلاند فازت أحزاب قومية محافظة على أغلبية؛ وقد أعلنت كوريا الشمالية استعدادها لعقد مؤتمر (حزب العمال) فى نهاية فبراير لتحديد الأولويات السياسية والعسكرية؛ ما يشير لتحولات سياسية لا فى أوروبا وأمريكا فقط، وإنما فى شرق آسيا أيضاً..
حزمة ديمتريف الغامضة
لعل أعجب تحالف أو اتفاق؛ إن حدث، هو ما يجري الآن خلف الكواليس بين أمريكا وروسيا!
ثمة أنباء تم تداولها حول عرض سري قيل إن روسيا قدمته للولايات المتحدة، فيما أسماه (زيلينسكي): "حزمة ديمتريف". وهو عرض ميكيافيللي عجيب ومدهش؛ يظهر كيف يفكر الروس بعقلية رجال العصابات؛ أن يقدموا عرضاً لأمريكا لا يمكن رفضه..
لقد أعلن "زيلينسكي" أن الاستخبارات الأوكرانية اطلعت على عرض اقتصادي روسي بقيمة 12 تريليون دولار للتعاون الاقتصادي بين أمريكا وروسيا شمل إمكانية عودة استخدام الدولار في التبادلات الثنائية، ومشروعات مشتركة في النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية. إنه مقترح لم يجاوز دهاليز الاستخبارات، ولم تكشف تفاصيله للإعلام أو للنقاش، ولم توجد وثيقة واحدة أو تصريح رسمي من أي من الطرفين حوله، ولم يصدر تعليق واحد رسمي من جانب البيت الأبيض؛ فماذا يجري فى الكواليس؟
هل هناك وجود فعلي لما سمي بحزمة ديمتريف؟ وماذا سيحدث إذا وافقت أمريكا على العرض الذي لا يرفض؟ وما هو الثمن؟ وهل يمكن أن يحدث تعاون اقتصادي بين الأضداد؟
عواصف التحولات السياسية
بعد انتهاء "مؤتمر دافوس الاقتصادي" بما حدث خلاله من تدافع وتوتر بين أوروبا وأمريكا انعقد (مؤتمر ميونخ) للأمن؛ والذي وصف من بعض القادة الأوربيين بأنه ليس أكثر من "سيرك" للحركات البهلوانية التافهة!
وبدلاً من أن يجد قادة أوروبا فى المؤتمر ملاذاً ومتنفساً من الضغوط والصراعات، وجدوا أنفسهم أمام انقسامات وخلافات ضخمة ضاعفت من الفجوة التي تتسع أكثر فأكثر بين أوروبا من ناحية وبين أمريكا؛ حتي خرج الرئيس ماكرون ليصرح قائلاً: "على أوروبا التأهب لصدامات جديدة مع أمريكا"! ولتعلن ألمانيا أنها تسعي لإعداد جيش يصبح هو الأقوى فى أوروبا. وليصبح سباق التسليح؛ الثقيل والنووي، هو الأقوى منذ الحرب العالمية الثانية، فإلى أين يتجه العالم؟ وهل يبحث قادة أوروبا عن بديل للمنظومة العالمية التي أثبتت فشلها وأعلن الأوربيون عليها الحداد؟!
ثمة عواصف سياسية كبري تحدث فى شتي أنحاء العالم؛ انسحاب أمريكا للنصف الغربي من العالَم وانتهاء هيمنتها، وترهل المنظومة العالمية، وتردي الدولار، والتقاء الأعداء فى تحالفات ضد المنطق، وانحسار الناتو، وبوادر الحرب على إيران.. كلها أشياء تنذر بأن العالم مقبل على منعطف تاريخي خطير، سوف يبدأ خلال الشهور القادمة لهذا العام الساخن القلق.