أكد المهندس حاتم الرومي، رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات تربل إم، ورئيس لجنة الطاقة بجمعية مجلس علماء مصر، والنائب الأول لشعبة الطاقة المستدامة، وخبير مشروعات الطاقة الكبرى، أن قطاع الطاقة المتجددة في مصر يقف أمام مرحلة دقيقة تتطلب تكاملًا حقيقيًا بين البحث العلمي والتطبيق الصناعي، مشددًا على أن دعم الاقتصاد الوطني لن يتحقق إلا عبر توجيه الأبحاث لحل مشكلات الصناعة والزراعة والطاقة على أرض الواقع، وليس الاكتفاء بالإطار الأكاديمي النظري.
وفي تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط على هامش اجتماع مجلس بحوث الكهرباء والطاقة بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، اليوم الخميس، أوضح الرومي أن الاجتماع شهد إلقاء محاضرة موسعة بعنوان "تحديات الطاقة المتجددة من أجل دعم الاقتصاد المصري"، بحضور الدكتور مازن عبد السلام مقرر مجلس بحوث الكهرباء والطاقة، والدكتور جلال عثمان خبير الطاقة الدولي، والدكتور حافظ السلماوي الرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، إلى جانب ممثلين عن معهد بحوث الإلكترونيات، وهيئة الطاقة الذرية، وعدد من الباحثين والخبراء والمتخصصين، كما شارك في الاجتماع المهندس عباس راضي العضو المنتدب لشركة وينسولا، والدكتور وائل محمد رضا المستشار الإعلامي ورئيس قطاع المسؤولية المجتمعية، والمهندس عمرو.
ونوه الرومي الى الفجوة القائمة بين البحث العلمي واحتياجات السوق، مؤكدًا أن عددًا من المصانع المصرية يواجه تحديات فنية متكررة تتعلق بصيانة المعدات المستوردة وتوفير قطع الغيار وملاءمة أنظمة التشغيل، في حين تركز بعض المؤسسات الأكاديمية على برامج الساعات المعتمدة وتعظيم مواردها المالية دون توجيه كافٍ لمعالجة مشكلات المجتمع الإنتاجية.
وأشار إلى ضرورة إعادة صياغة أولويات البحث العلمي بحيث تتجه نحو تصنيع قطع الغيار محليًا، وتطوير أنظمة التحكم والكنترول، ودعم الصناعات المغذية لقطاع الطاقة، بما يتوافق مع طبيعة البيئة المصرية وظروف التشغيل المحلية، بدلًا من استيراد حلول جاهزة قد لا تكون مناسبة تقنيًا أو اقتصاديًا.
وفيما يتعلق بتوطين صناعة الطاقة المتجددة، أوضح أن مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المكونات الرئيسية، بما يشمل الألواح الشمسية، والكابلات، والهياكل المعدنية، والمسامير، وغيرها من مستلزمات التركيب، خاصة من الصين والهند.
وأكد أن من أبرز العقبات التي تعرقل جهود التوطين الروتين الإداري وصعوبات الإفراج الجمركي عن الخامات والمكونات البحثية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف استخراج شهادات الجودة والاعتماد الدولية للمنتجات المحلية، مثل البطاريات وأجهزة الإنفرتر، ما يحول دون قدرتها على دخول المناقصات الكبرى الممولة من جهات دولية، منوها إلى أن القضية ليست ضعفًا في القدرات الصناعية، وإنما غياب منظومة اعتماد متكاملة تُمكّن المنتج المحلي من المنافسة.
وتناول الاجتماع أيضًا النقاش الدائر حول الشبكة القومية الموحدة مقابل الشبكات المصغرة (Mini-grids).
وأوضح الرومي أنه يدعم التوسع في تطبيق نموذج الشبكات المصغرة بالمناطق النائية ومشروعات الاستصلاح الزراعي مثل الفرافرة والعوينات، نظرًا لارتفاع تكلفة مد شبكات الجهد المتوسط لمسافات طويلة، مشيرًا إلى أن بعض المشروعات قد تتطلب استثمارات تصل إلى نحو 800 مليون جنيه لمد الشبكة التقليدية.
واعتبر أن اللامركزية في بعض الحالات تمثل حلًا اقتصاديًا وعمليًا، خاصة في المناطق ذات الكثافة المنخفضة أو الطبيعة الجغرافية الخاصة.
وفي المقابل، عرض الدكتور حافظ السلماوي وجهة نظر تدعم الشبكة الموحدة (Unified Grid) باعتبارها الأكثر جدوى اقتصادية على المدى الطويل بفضل وفورات الحجم، موضحًا أن الشبكات المصغرة قد تعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة وانخفاض معامل القدرة، ما يستوجب التعامل معها كحلول مرحلية أو في أضيق الحدود، مع التخطيط لربطها بالشبكة القومية مستقبلًا لضمان الاستقرار والكفاءة الاقتصادية.
كما ناقش الحضور ملف تخزين الطاقة (Energy Storage) باعتباره عنصرًا حاسمًا في التوسع بمصادر الطاقة المتجددة، وأشار الرومي إلى الانخفاض الكبير في أسعار بطاريات الليثيوم عالميًا، ما يعزز فرص استخدامها في السوق المحلي، مع ضرورة دراسة تأثير درجات الحرارة المرتفعة على عمرها الافتراضي وكفاءتها التشغيلية في المناخ المصري.
وتطرقت المناقشات إلى مشروعات التخزين المائي بالضخ، ومنها مشروع جبل عتاقة، فضلًا عن مقترحات مستقبلية في مناطق أخرى مثل جنوب سيناء، إضافة إلى طرح فكرة الاستفادة من السد العالي كأحد أشكال التخزين الاستراتيجي للطاقة.
وفي محور اقتصاديات الطاقة والغاز، تم التأكيد على أهمية تطبيق آلية "سوق السعة" لتعويض محطات الطاقة الحرارية العاملة بالغاز مقابل إتاحتها كقدرات احتياطية لتغطية تقلبات إنتاج الطاقات المتجددة، بحيث تحصل هذه المحطات على مقابل مالي نظير جاهزيتها حتى في حال عدم تشغيلها الفعلي، بما يضمن استقرار الشبكة واستدامة المنظومة الكهربائية.
أما في ملف الهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي، فقد أشار الرومي إلى أن التصدير يواجه تحديات في ظل الشروط الأوروبية الصارمة والدعم الموجه للمنتجين المحليين هناك، ما يتطلب التركيز بصورة أكبر على تعظيم الاستخدام المحلي.
وطرح الرومى مقترح خلط الهيدروجين في شبكة الغاز الطبيعي بنسب تتراوح بين 10 و15% لتقليل الاستيراد، مع ضرورة دراسة تأثير ذلك على البنية التحتية والمعدات وخطوط الأنابيب، خاصة ما يتعلق بمشكلة الهشاشة ، كما ناقش إمكانية استخدام الهيدروجين في محركات الاحتراق الداخلي كحل أسرع وأقل تكلفة مقارنة بخلايا الوقود ، لا سيما في تطبيقات الجرارات والقطارات، بما يدعم التحول التدريجي نحو اقتصاد منخفض الكربون ويعزز الاستفادة من الموارد الوطنية.