نعى السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شن، المؤرخ التركي البارز إلبر أورتايلي، مشيداً بإسهاماته العلمية وحضوره الفكري، وحبه العميق لمصر واهتمامه بتاريخها، حيث كتب عنها في عدة مؤلفات ومحاضرات، مؤكداً مكانتها الحضارية في التاريخ، وارتباطه الثقافي الدائم بها.
السفير التركي ينعي المؤرخ إلبر أورتايلي
أشعر بحزن عميق لفقدان أحد أعلام التاريخ التركي البارزين، الأستاذ البروفيسور إلبر أورتايلي.
ونشر السفير التركي، صورة تجمعه مع " أورتايلي" خلال لقاء جمعهما في مدينة جدة السعودية، حيث كان يشغل "شن" منصب القنصل العام لتركيا في جدة بين عامي 2008 و2012.

وقال "شن" تعليقا على الصورة التي نشرها عبر حسابه الشخصي بموقع "فيسبوك" : "لقد كان من دواعي سروري أن أستضيف أستاذنا في القنصلية العامة في جدة، حيث استفدت كثيرًا من حديثه وحواره. وكان دائمًا ينظر بتقدير إلى السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية"، مضيفا "أسأل الله أن يتغمد أستاذنا إلبر بواسع رحمته، وأتقدم بأحرّ التعازي إلى أسرته وأقاربه وإلى مجتمع المؤرخين".
وفي منشور آخر، سرد السفير صالح موتلو شن، بعض مما كتبه المؤرخ التركي إلبر أورتايلي، عن مصر مستهلا حديثه قائلا "كان للمؤرخ التركي الكبير إلبر أورتايلي، الذي وافته المنية، بعض والأفكار حول مصر".
وجاء نقله السفير التركي عن المؤرخ الراحل كالتالي:
لم أتمكّن من الذهاب إلى مصر منذ خمس سنوات، ففي كل مرة أزورها، ذلك الإرهاق والتذمّر والحزن الذي أشعر به يتحوّل هناك، منذ اليوم الذي أغادرها فيه، إلى شوقٍ وحنين، لا شكّ أنّ مصر هي حقًّا «أمّ الدنيا»، وهي أمّ العالم الحديث.

قبل مجئ الأديان السماوية، كان المصريون القدماء قد طوّروا تصوّراتهم عن العالم الآخر، وعن الأساطير وطقوس الموت، وكانوا يجرون العمليات الحسابية الأربع والهندسة بطرق أسهل وأكثر عملية حتى من اليونانيين. أمّا علم الكيمياء فقد اشتُق اسمه من «شيميا»، أي من الاسم القديم لمصر نفسها.
إنّ مصر هي من أسس أصل قواعد الصحّة والنظافة. فكلّ شيء كان منظّمًا هناك بدقّة، من العناية بالأظافر والقدمين من أجل النظافة، إلى قوائم الأطعمة. ومعرفة التشريح من خلال دراسة الجثث لم تكن من إنجاز جامعتي بادوفا وبولونيا في أواخر العصور الوسطى، بل كانت من عمل الكهنة المصريين. فقد كانوا، بدافع معتقداتهم، يدرسون جسم الإنسان أثناء قيامهم بعملية التحنيط.
وعندما استولى الرومان على مصر، اكتسبوا نظامًا ماليًا حقيقيًا وخصائص الدولة المنظّمة. فقد تعلّموا من المصريين قياس الأراضي وفرض الضرائب.
إنّ الحضارة لا تبدأ مع اليونان، بل تبدأ مع بلاد الرافدين، ولكن يبدو أنّ الثراء الذي وفّره نهر النيل ودلتا النيل أوجد، من حيث الاستمرارية والاتساق، حضارةً مهيبةً مثل حضارة مصر.
سواء شئت أم أبيت، وسواء علمت أم لم تعلم، فنحن جميعًا مصريون؛ لأنّ المسألة مسألة حضارة وجودية.
إنّ مصر تعرف كيف تنهض من جديد، وهي بلد لا تموت أبدًا.
وفي مصر تلوح ملامح النهوض حتى في أكثر الأماكن غير المتوقَّعة.

ففي الأحياء القديمة من القاهرة لا تزال المباني القديمة تُرمَّم؛ ومن أمثلة ذلك ترميم جامع أحمد بن طولون الذي يعود إلى سنة 750م. لكن عندما ننظر إلى ما حوله نرى أن ترميمًا آخر يلوح في الأفق. ففي باب زويلة (بوابة الجنّ) يبدأ شارع المعزّ لدين الله، وهو أكثر شوارع القاهرة تصويرًا وجمالًا؛ شارع طويل تحيط به آثار تعود إلى المماليك والعثمانيين.
وعندما غزا نابليون بونابرت مصر في مطلع القرن التاسع عشر، كان عدد السبيل كُتّاب — أي السبيل ومعه مدرسة الحيّ الصغيرة — يبلغ سبعمائة، ومن أجمل نماذجها ما يوجد هنا.
أمّا سبيل محمد علي باشا المشيَّد فوق صهريج للمياه، فهو أشبه بنموذج من النهضة العثمانية في أواخر عهد العثمانيين. وإلى جانب هذه الأسبلة كانت توجد مدارس صغيرة يتعلّم فيها الأطفال القرآن وقليلًا من الرياضيات، وكانوا يدرسون فيها صيفًا في جوٍّ لطيفٍ منعش.
ويُعدّ سبيل محمد علي أوسعها، ولو قلنا إنّ نهضة مصر قد بدأت من هنا لما كان في ذلك مبالغة.
فقد تعلّم الأطفال العربية والتركية والرياضيات والتاريخ والجغرافيا، ومن اللافت أنّهم تعلّموا أيضًا اللغة الإنجليزية.