قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

اتساع الفجوة الاقتصادية في الولايات المتحدة مع تغذية سياسات ترامب ثروات الأغنياء

اتساع الفجوة الاقتصادية في الولايات المتحدة
اتساع الفجوة الاقتصادية في الولايات المتحدة

تعكس تطورات الاقتصاد الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صورة متباينة، إذ يواصل الأثرياء تحقيق مكاسب قوية في الوقت الذي يواجه فيه كثير من المواطنين صعوبات متزايدة في تحمل تكاليف المعيشة.

وبحسب شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية، يشهد الطلب على اليخوت الفاخرة والطائرات الخاصة ارتفاعًا ملحوظًا بدعم من قانون الضرائب الذي أُقر العام الماضي، كما تسجل مبيعات القصور التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين دولار أمريكي نشاطًا قويًا مع بلوغ أسواق الأسهم مستويات قياسية جديدة.

وفي المقابل، يعجز المواطن الأمريكي العادي عن شراء منزل بالسعر المتوسط، بينما صارت السيارة الجديدة بعيدة المنال بالنسبة لكثيرين مع تجاوز متوسط القسط الشهري 700 دولار أمريكي.

وبحسب بنوك الطعام، يرتفع عدد الأشخاص الذين يتنازلون عن أكل بعض الوجبات بسبب عدم القدرة على شراء المواد الغذائية، كما يلجأ مزيد من الأمريكيين من الطبقة المتوسطة إلى بيع بلازما الدم لتغطية نفقاتهم.

وتُظهر البيانات أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء بلغت أوسع مستوياتها منذ جيل على الأقل، مع استمرار اتساعها، حيث ارتفعت ثروة أعلى 1% من السكان بأكثر من ضعف وتيرة نمو ثروة أدنى 90% خلال الأشهر 9 الأولى من العام الماضي، وفقًا لبيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وعلى قمة هرم الثروة، تقترب ثروة إيلون ماسك من مستويات مماثلة لما حققه رجل الأعمال التاريخي جون دي روكفلر في القرن 19 عند قياسها كنسبة من حجم الاقتصاد الأمريكي.

وتعكس هذه التطورات مجموعة من العوامل، من بينها اضطرابات سوق الإسكان عقب الجائحة، وصعود أسواق الأسهم بدعم من الحماس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وتراجع نشاط قطاع التصنيع، إضافة إلى تباطؤ التوظيف واستمرار ارتفاع التكاليف.

وساهمت سياسات ترامب في تعزيز هذه الاتجاهات، فبعد مرور عام على بدء ولايته الثانية، خفّضت إدارته برامج دعم الأسر منخفضة الدخل، بالتوازي مع تبني سياسات أفادت الشركات والأثرياء.

ووقع ترامب تشريعات لتقليص مخصصات قسائم الغذاء وبرنامج الرعاية الصحية للفئات محدودة الدخل، وفرض قيودًا جديدة على مساعدات الإسكان منخفض التكلفة وقروض الطلاب، وفي مواجهة ارتفاع الأسعار نتيجة الرسوم الجمركية، اقترح على الأمريكيين شراء عدد أقل من الدمى لأطفالهم.

وفي الوقت نفسه، قدمت الإدارة إعفاءات ضريبية بمليارات الدولارات للشركات والأثرياء، كما خففت القيود التنظيمية على البنوك، وسهّلت القواعد المرتبطة بالأصول الرقمية التي استفاد منها ترامب شخصيًا.

وقال روبرت رايش، الأستاذ الفخري بجامعة كاليفورنيا الذي تولى وزارة العمل خلال إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، إن الطبقة العاملة "تعاني بشدة في ظل الإدارة الثانية لترامب"، مشيرًا إلى أن النمو الحقيقي تركز في أرباح الشركات وثروات أصحاب الدخول المرتفعة.

ودافع ترامب عن سجله الاقتصادي، معتبرًا أن المخاوف المتعلقة بارتفاع تكاليف المعيشة "مبالغ فيها"، وحمّل الديمقراطيين مسؤولية ضعف الاقتصاد، كما أشار في خطابه عن حالة الاتحاد في فبراير إلى دخول الولايات المتحدة "عصرًا ذهبيًا"، مستشهدًا بارتفاع أرصدة حسابات التقاعد وانخفاض معدلات الرهن العقاري وتراجع أسعار الوقود، رغم أن أسعار الوقود عادت للارتفاع لاحقًا بعد الهجمات على إيران التي عطلت تدفقات النفط العالمية.

ويرى حلفاء ترامب أن آثار التخفيضات الضريبية التي أُقرت الصيف الماضي ستظهر تدريجيًا لصالح جميع الأمريكيين، إذ ارتفع متوسط المبالغ المستردة بنحو 1,000 دولار أمريكي هذا العام وفق بيانات البيت الأبيض، كما يؤكدون أن الرسوم الجمركية التي لا تزال قيد التطور ستعزز في نهاية المطاف وظائف التصنيع في الولايات المتحدة، مستشهدين بإعلانات حكومات وشركات أجنبية عن خطط استثمار داخل البلاد.

وأشار مسؤول في البيت الأبيض إلى مؤشرات تحسن تشمل انخفاض معدل التضخم مقارنة بالسنوات الماضية وتسارع نمو الأجور بوتيرة تفوق التضخم، إلا أن بعض خبراء الاقتصاد، بمن فيهم من خدموا في إدارات جمهورية سابقة، شككوا في كفاية هذه التحسينات لتعويض الضغوط الأخرى في الاقتصاد، ومنها تباطؤ سوق العمل الذي فقد 92,000 وظيفة في فبراير عبر قطاعات متعددة.

وفي إطار سلسلة تقارير بعنوان "أمريكا غير الميسورة"، استطلعت شبكة "إن بي سي" آراء القراء حول أوضاعهم الاقتصادية، حيث تحدث مئات الأشخاص عن صعوبة العثور على وظائف وتحمل ارتفاع أسعار الغذاء والرعاية الصحية، بينما أشار آخرون إلى استفادتهم من مكاسب سوق الأسهم وانخفاض أسعار الفائدة.

ويظل المؤكد أن الفجوة بين أغنى الأمريكيين وبقية السكان آخذة في الاتساع منذ عقود دون مؤشرات على التباطؤ، وتمتد تداعيات سياسات ترامب التي تزيد هذه الفجوة إلى ما هو أبعد من الحسابات المصرفية، لتؤثر على المشهد السياسي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، في ظل استطلاعات تظهر تزايد عدم رضا الناخبين عن إدارة الاقتصاد.

وبالنسبة لكثيرين، تهز هذه الاتجاهات اعتقادًا راسخًا بإمكانية تحقيق التقدم في الولايات المتحدة، ففي الماضي كان جواب كثير من الأمريكيين عند سؤالهم عما إذا كانوا أفضل حالًا من آبائهم هو "نعم" قاطعة، أما اليوم فصار هذا الجواب أقل وضوحًا.

وأظهرت دراسة لخبراء اقتصاد بجامعة ستانفورد في 2016 أن الأمريكيين المولودين في ثمانينيات القرن الماضي كانوا أقل احتمالًا لتحقيق دخل يفوق دخل آبائهم مقارنة بمن وُلدوا في أربعينيات القرن الماضي، كما تواجه الأسر اليوم تكاليف أعلى تشمل ارتفاع أقساط الرعاية الصحية والمبالغ المستحقة، إضافة إلى نفقات رعاية الأطفال.

ولا يشعر الجميع بهذه الصعوبات بنفس الدرجة، فحتى أكتوبر الماضي كان 1% من السكان يمتلكون 32% من ثروة الولايات المتحدة مقارنة بنحو 23% في 1990، كما تفوق ثروات الأسر البيضاء بشكل كبير ثروات الأسر من أصول أفريقية أو لاتينية.

وساهم تباطؤ نمو الأجور في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فمنذ 1979 ارتفعت أجور أدنى 90% من العاملين بنسبة 44%، بينما ارتفعت أجور أعلى 1% بأكثر من 180% وفق تقرير صدر في 2024 عن معهد السياسات الاقتصادية.

ومن بين الطرق التي أثرت بها سياسات ترامب على الأوضاع المالية للأمريكيين فرض الرسوم الجمركية التي أدت إلى ارتفاع أسعار التجزئة، بحسب دوج هولتز إيكن، رئيس المنتدى الأمريكي للعمل، الذي عمل في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش، مضيفًا أن ارتفاع الأسعار يؤثر بشكل غير متناسب على ذوي الدخول المحدودة.

وقال إيكن: "هذه الرسوم تضر بالطبقات الأقل دخلًا أكثر بكثير من الطبقات الأعلى، وكانت مسؤولة عن كثير من الضغوط التي واجهها سوق العمل".

كما يفرض تباطؤ سوق العمل ضغوطًا كبيرة على الأسر، إذ لم تعد الأجور ترتفع بالوتيرة نفسها التي شهدتها السنوات الماضية، كما خفّض أصحاب الأعمال وتيرة التوظيف، ولم يضف الاقتصاد الأمريكي سوى 584,000 وظيفة في 2025، وهو أسوأ عام للتوظيف منذ جائحة كورونا، وكان معظم النمو مدفوعًا بعدد محدود من القطاعات مثل الرعاية الصحية والتعليم.

ويُرجع خبراء الاقتصاد ذلك إلى عوامل من بينها ارتفاع التكاليف وعدم اليقين المرتبط بالرسوم الجمركية والتوظيف المفرط من جانب الشركات بعد الجائحة، إلى جانب تزايد الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي.

وقال هولتز إيكن: "لم نشهد عمليًا أي نمو في الوظائف، وإذا استبعدت قطاعي الصحة والتعليم، فقدنا وظائف في 2025. سوق العمل ليس قويًا والناس لا يتم توظيفهم".

ورغم أن الاقتصاد في السابق كان أبرز نقاط قوة ترامب السياسية، إذ ركز في حملته الانتخابية في 2016 على الدفاع عن الطبقة العاملة، وبعد توليه المنصب، تسارع نمو الأجور للفئات الأقل دخلًا وتراجع معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ عقود قبل اضطرابات الجائحة، إلا أنه خلال ولايته الثانية تراجع مستوى تأييده في ملف الاقتصاد.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن الإدارة تسعى إلى اتباع نهج مشابه لما طبق خلال الولاية الأولى، عبر استخدام التخفيضات الضريبية والتعديلات التنظيمية لتحفيز الاستثمار، إلى جانب تشديد سياسات الهجرة التي ترى الإدارة أنها ستؤدي إلى تضييق سوق العمل ورفع الأجور.

وأضاف المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "لا يزال هناك الكثير من العمل، لكن هذه مجرد البداية. الأمريكيون يمكنهم الاطمئنان إلى أن الأفضل لم يأت بعد".

وطرح ترامب بعض البرامج الهادفة إلى خفض تكاليف المعيشة للأسر منخفضة الدخل، مثل وضع سقف لأسعار الفائدة على بطاقات الائتمان وتقديم رهن عقاري لمدة 50 عامًا يقلل الأقساط الشهرية، إلا أن كثيرًا من هذه المقترحات لم يتم تنفيذها.

ومن بين الإجراءات الأخرى خفض أسعار عدد محدود من الأدوية الموصوفة، وهو ما قد يفيد بعض المواطنين، لكنه قد يُقابَل بارتفاع في تكاليف التأمين الصحي بعد فشل الكونجرس في تمديد دعم قانون الرعاية الصحية الميسرة.

كما أن بعض البرامج قد يستغرق سنوات حتى يظهر تأثيرها، مثل حسابات الادخار للأطفال التي تحمل اسم ترامب، حيث ستودع الحكومة الاتحادية 1,000 دولار أمريكي في هذه الحسابات ليتم استثمارها في سوق الأسهم وتحويلها إلى حسابات تقاعد عندما يبلغ الأطفال سن 18.

وإذا استمر نمو سوق الأسهم بنحو 10% سنويًا، فقد يتحول هذا المبلغ إلى نحو 5,500 دولار أمريكي خلال 18 عامًا، وقد يرتفع بشكل أكبر إذا تمكنت الأسر من المساهمة بالحد الأقصى البالغ 5,000 دولار أمريكي سنويًا، وهو ما يفيد الأسر الأكثر ثراء.

وقد يظهر التأثير الأكثر مباشرة لسياسات ترامب على الأوضاع المالية للأمريكيين عند تقديم الإقرارات الضريبية، إذ ستحصل كثير من الأسر على مبالغ مستردة أكبر بفضل "القانون الكبير والجميل" الذي أُقر الصيف الماضي، وقد تستفيد الأسر ذات الدخل المتوسط من خفض الضرائب على العمل الإضافي، كما سيحصل بعض كبار السن على إعفاء ضريبي على دخل الضمان الاجتماعي.

لكن أكبر مكاسب التخفيضات الضريبية الجديدة ستذهب إلى الأسر الأكثر ثراء، بما في ذلك أصحاب الأعمال أو مالكو المنازل مرتفعة القيمة في الولايات ذات الضرائب العقارية العالية، وكذلك الذين يحصلون على ميراث بملايين الدولارات، كما يمدد القانون تخفيضات ضريبية أُقرت خلال ولاية ترامب الأولى وكان من المقرر أن تنتهي.

وقال أوين زيدار، أستاذ الاقتصاد في جامعة برينستون، إن بعض الإجراءات مثل الإعفاء من الضرائب على الإكراميات "أقل بكثير" مقارنة بالتدابير التي تفيد الأثرياء مثل ضريبة الميراث، مشيرًا إلى تحليل أجراه مركز السياسات الضريبية أظهر أن الأسر التي يتراوح دخلها بين 460,000 و1.1 مليون دولار أمريكي ستحصل على خفض ضريبي متوسط قدره 21,000 دولار أمريكي في 2026، في حين ستحصل الأسر ذات الدخل المتوسط التي يتراوح دخلها بين 67,000 و119,000 دولار أمريكي على خفض متوسط يبلغ نحو 1,800 دولار أمريكي.

وأضاف زيدار أن هذه التخفيضات تأتي فوق عقود من التخفيضات الضريبية السابقة، مثل تلك التي استفاد منها أصحاب الأعمال خلال ولاية ترامب الأولى، وهو ما مكّن الأسر الأكثر ثراء من مواصلة زيادة ثرواتها.