أكد تقرير متخصص أن الإعلام المطبوع لا يواجه حالة التراجع النهائي بحسب ما يدعيه البعض ، وإنما يمر بمرحلة إعادة تموضع "استراتيجي" داخل النظام الإعلامي العالمي ، الذي تتكامل فيه الوسائط التقليدية المطبوعة مع الوسائط الرقمية بدلاً من قضاء أحدهما على الآخر .
و يقول التقرير - وهو صادر عن الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار World Association of News Publishers - انه في ظل تزايد الطلب على المحتوى الموثوق والمتخصص، سيستمر الإعلام المطبوع في لعب دور مهم في تشكيل الرأي العام، خاصة في القطاعات التي تتطلب مستوى عالياً من الدقة والموثوقية بينما إعلام شاشات الهواتف مليء بالشائعات فضلا عن مخاطر سقوط القارئ ضحيه لحيل الذكاء الاصطناعي والتلاعب في المضمون الأصلي للصحف الورقية عند استعراضها إلكترونيا والنسب إليها كذبا بعد ذلك
و تلك الاعتبارات هي التي تجعل استراتيجيات الدمج بين الطباعة والرقمنة أحد أبرز ملامح مستقبل الصناعة الإعلامية وتؤكد أن الصحيفة الورقية ونسختها الإلكترونية كلاهما وجهان لعملة واحدة .
كما اكد التقرير وهو بعنوان " اتجاهات صناعة الإعلام المطبوع ٢٠٢٦ " أن سوق الإعلام المطبوع العالمي يواصل إظهار قدر كبير من التماسك رغم سرعة التحول الرقمي .
وكشف التقرير الذي عكف على إعداده في صوره دراسة علمية نخبة من الأكاديميين و خبراء الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار ( واشنطن – لندن ) أن قيمة السوق العالمي للطباعه الإعلامية والصحفية بلغت 359.53 مليار دولار في عام 2025 مما يشير إلى أن مستقبل صناعة الطباعة التي تعد الصحف احد ركائزها يتجه نحو نماذج هجينة تجمع بين الطباعة والتكنولوجيا الرقمية وليس التراجع الكامل .
وتوضح نتائج الدراسة صحه ما يتردد كثيرا في الآونة الأخيرة عن انحسار الصحف والمجلات المطبوعة لصالح الإعلام الرقمى .
و بحسب التقرير يعكس هذا الاتجاه تحولاً استراتيجياً في نماذج الأعمال الإعلامية ، حيث لم يعد التحدي الرئيسي يتمثل في بقاء المطبوعات أو اختفائها، بل في إعادة تعريف دورها داخل منظومة إعلامية متعددة المنصات تعتمد على التكامل بين المحتوى الرقمي والمطبوع.
وتشير البيانات التي أوردها التقرير إلى نمو سوق الإعلام المطبوع من 348.31 مليار دولار في 2024 إلى 359.53 مليار دولار في 2025 بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 3.2 بالمائة ، كما تكشف الاتجاهات الديموغرافية عن استمرار تفضيل الفئات العمرية الأكبر سناً للمطبوعات، في حين يعتمد الشباب بدرجة أكبر على الوسائط الرقمية، وهو ما يدفع المؤسسات الإعلامية إلى تبني استراتيجيات مزدوجة تحافظ على جمهور المطبوعات التقليدي مع الاستثمار في الابتكار الرقمي.
وكان الإغلاق العالمي الكبير الذي صاحب جائحه كورونا احد الأسباب الرئيسية لانتعاش الإعلام الرقمي على حساب المطبوع ، كما لم تقتصر التراجعات النسبية في الاقبال على الإعلام المطبوع كظاهرة على بعض الاقتصادات الغربية فقط إبان الجائحة ، ففي الولايات المتحدة وأوروبا ، تشير التقديرات إلى انخفاض بنحو 1.3 بالمائة بينما سجلت منطقة آسيا والمحيط الهادئ ، وهى تعد أكبر سوق للإعلام المطبوع ، تراجعاً بمعدل نمو سنوي مركب بلغ -7ر2 بالمائة خلال 2018–202٢ .
ويؤخذ في الاعتبار في هذا الصدد عند التحليل عده عوامل في مقدمتها تراجع الإنتاج العالمي من الأوراق والأحبار لمستلزمات المطابع نتيجة الإغلاق الكبير في ذروة أزمة كوفيد - ١٩ وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار مدخلات العملية الطباعية بشكل مذهل .
ويعكس هذا التباين كذلك اختلاف سرعة التحول الرقمي بين المناطق، حيث تميل الأسواق الناشئة إلى الحفاظ على دور أقوى للمطبوعات مقارنة بالأسواق المتقدمة، التي تشهد انتقالاً أسرع نحو الإعلام الرقمي.
ويتمثل أحد أبرز التحولات في قطاع الإعلام المطبوع في الانتقال من نموذج الإعلام الجماهيري إلى الإعلام المتخصص عالي القيمة ، حيث يركز الناشرون على تقديم محتوى نوعي يستهدف شرائح محددة من الجمهور بدلاً من المنافسة في الانتشار الواسع.
و بعد انتهاء الجائحة تشير البيانات إلى أن نحو 90 بالمائة من المجلات الوطنية في الولايات المتحدة قد حافظت على عدد قرائها أو سجلت نمواً خلال العامين الماضيين على صعيد الاشتراكات ، وخاصة في القطاعات المتخصصة مثل مجلات الاقتصاد و مجلات نمط الحياة والتكنولوجيا والثقافة .
وتؤكد الدراسات أن الإعلانات المطبوعة لا تزال تحظى بدرجة ثقة مرتفعة، إذ يرى 82 بالمائة من المستهلكين أنها أكثر موثوقية مقارنة بالإعلانات الرقمية، بينما يعتبر 65 بالمائة من الجمهور أن الإعلانات المطبوعة أكثر مصداقية وتأثيراً في بناء صورة العلامة التجارية.
كما تتجه المؤسسات الإعلامية إلى تطوير نماذج أعمال جديدة تتجاوز الإعلانات التقليدية، وتشمل العضويات المدفوعة، وتنظيم الفعاليات، وخدمات المحتوى، والتجارة الإلكترونية، ما يساعد على تنويع مصادر الدخل وتعزيز العلاقة مع الجمهور.
وتشير بيانات صادرة عن الرابطة العالمية للصحف وناشري الأخبار، والمعروفة اختصارا ب WAN-IFRA إلى أن إيرادات قطاع الأخبار العالمي حافظت على استقرار نسبي خلال عام 2025، حيث بلغت الإيرادات المجمعة للصحف اليومية والأسبوعية نحو 125.7 مليار دولار.
ورغم تراجع بعض مصادر الدخل التقليدية ، لا تزال المطبوعات تمثل نحو 65 بالمائة من إجمالي إيرادات المؤسسات الصحفية، مقابل 21 بالمائة للإيرادات الرقمية و14 بالمائة لمصادر أخرى تشمل الفعاليات والخدمات الإعلامية والتجارة الإلكترونية.
كما تظهر البيانات أن إيرادات الإعلانات المطبوعة لا تزال تتفوق على الإعلانات الرقمية بنسبة 21.2 بالمائة مقابل 17 بالمائة، في حين استقر نمو الإيرادات الرقمية عند نحو 31 بالمائة من إجمالي إيرادات الناشرين خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس التحديات المرتبطة بسوق الإعلانات الرقمية والمنافسة مع المنصات التكنولوجية العالمية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن مستقبل الإعلام المطبوع لن يعتمد على الانتشار الواسع كما في السابق، بل على بناء مجتمعات قراء متخصصة وتقديم محتوى عالي الجودة يعزز الثقة في بيئة إعلامية تتسم بوفرة المعلومات وتزايد مخاطر الأخبار المضللة.
كما يتوقع أن تستمر المؤسسات الإعلامية في الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لتطوير المحتوى وتخصيصه، إلى جانب توسيع استخدام تقنيات الطباعة الرقمية التي تسمح بإنتاج مرن يتناسب مع احتياجات الجمهور المتغيرة.
وفضلا عن ذلك تسهم التكنولوجيا المتطورة في مجالات الطباعة والنشر إلى تقليل كلفت الإنتاج والتشغيل وهناك اتجاه عالمي للتوسع في دور الطباعة وبخاصه طباعه الصحف والمجلات إلى استخدام الروبوتات " الأتمته "في إدارة العملية الإنتاجيه للصحف والمجلات .
فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة Agfa-Gevaert N.V.، ومقرها بلجيكا، في أغسطس 2025، عن إطلاق حلول أتمتة متقدمة لإنتاج الطباعة بالحبر النفاث خلال معرض PRINTING United، تضمنت سير عمل مؤتمت لمرحلة ما قبل الطباعة، وتكاملاً سلساً مع الأنظمة القائمة، وأدوات برمجية ذكية تعمل على تحسين استهلاك الحبر وتقليل الهدر. وتتيح هذه الابتكارات لمزودي خدمات الطباعة زيادة الإنتاج وخفض التكاليف التشغيلية وتحقيق نتائج عالية الجودة بشكل متسق عبر مختلف أنواع الوسائط.
وفي إطار تعزيز الحضور الإقليمي وزيادة حصة السوق، قامت شركات إعلامية كبرى بخطوات استراتيجية للاستحواذ على منافسين أو دمج أعمالهم. ففي يونيو 2024، أعلنت شركة Carpenter Media Group استحواذها على Pamplin Media مقابل مبلغ لم يُكشف عنه، ما وسع نطاق عملياتها ليشمل أكثر من 180 مطبوعة وموقعاً إلكترونياً في الولايات المتحدة وكندا. وتعكس هذه الخطوة توجه المؤسسات الإعلامية نحو تعزيز حضورها وتوسيع شبكاتها في سوق يشهد منافسة متزايدة.
و تعد المؤسسات الصحفية الكبرى في دول العالم المتقدم من أبرز الشركات العالمية العاملة في سوق الإعلام المطبوع وعملت على تطوير أساليب العمل بها : مؤسسة نيويورك تايمز، تريبون للنشر و Hearst Communications ومجموعة الجارديان الإعلامية وواشنطن بوست و"نيوز كوربوراشن" وسنغافورة القابضة للنشرة وجلوبال ميديا بارتنرز، واليابان تايمز، ولي انتربرايز الامريكية و"دى إم جى" ومجموعة بوير الاعلامية الالمانية ودايلى ميل البريطانية ومؤسسة "بوست ميديا نيتورك"، و"جانيت كو" الامريكية المالكة لصحيفة "يو إسى توداى" وConde Nastومجموعة أكسل سبرنجر الاوروبية ومقرها برلين وغيرها الكثير في أوروبا والأمريكتين واسيا .