عقد الجامع الأزهر اليوم الثلاثاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "وعي الأمة ووحدة الصف.. رؤية إسلامية"، وذلك بحضور كل من؛ د. محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا، ود. بيع الغفير، أستاذ اللغويات المساعد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بـجامعة الأزهر بالقاهرة، وأدار الملتقى الإعلامي إسماعيل دويدار.
ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة
وأوضح الدكتور محمود صديق، أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء ليجمع القلوب ويهذب النفوس، ولم يفرق بين شريف أو وضيع، فكان معيار الهداية والقبول عنده هو التمسك بمنهج الله تعالى، وليس النسب أو المكانة الاجتماعية، وهذا ما يجعل دعوته عادلة وشاملة، تماما كما كانت دعوة الأنبياء من قبله قائمة على العدل والمساواة، وتهدف إلى بناء مجتمع متماسك قائم على الحق والخير.
وأكد أنه بفضل هذا المنهج الرباني القويم، استطاعت الأمة الإسلامية في أقل من ثمانين عامًا أن توحد بلاد الحجاز والمغرب والشمال الأفريقي، وأن تبرهن للعالم بأسره على قوة وحدتها وتماسكها، حتى أصبح المسلمون نموذجا يحتذى في الإدارة والتعايش الاجتماعي، وقدرة الأمة على تجاوز الانقسامات الداخلية مهما كانت عميقة.
وأشار إلى أن الإسلام غرس في الأمة قاعدة أساسية في الوحدة والتلاحم، كما جاء في الحديث الشريف: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل زبيحتنا فذلكم المسلم له ذمة الله وذمة رسوله"، كما أن الوحدة سر رفعة الأمة، وبفضل هذه الوحدة قدم المسلمون إسهامات حضارية عظيمة في العلوم والفنون والطب والفلك والهندسة، مجسدين قول الله تعالى: "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، فالتقوى والالتزام بالشرع كانا معيار التقدم والرفعة، وليس النسب أو المكانة الاجتماعية.
ولفت صديق إلى أن الأزهر الشريف كان ولا يزال رمزا لهذه الوحدة، إذ أسهم في نشر رسالة الإسلام العالمية ورفع شأن الأمة العلمية، فقد أبهر العالم حينما تلي القرآن الكريم بعشر روايات، سبعة من الرواة لم يكونوا من العرب، مثل نافع وحمزة والكسائي، كما أن العلوم الإسلامية ازدهرت بفضل إسهامات علماء غير عرب، ما يؤكد أن القوة الحقيقية للأمة كانت في الالتزام بمنهجها القويم، وليس في نسبها أو عرقها، وهذه الشواهد تؤكد أن الإسلام جمع شمل الجميع على أساس الإيمان والعمل الصالح، وفتح الطريق أمام أي فرد من أي خلفية للمساهمة في بناء الحضارة الإسلامية ونشر العلوم.
وفي ختام كلمته أشار صديق، إلى أن قراءة تاريخ الأمم، تبين كيف استطاعت الأمة الإسلامية أن تواجه التحديات الكبرى، فالمغول استطاعوا أن يحكموا أكثر من نصف العالم، متجهين نحو شمال إفريقيا وبلاد الشام، بعد سقوط الخلافة العباسية في القرن السابع الهجري، وكان الجميع يظن أن المغول قوة لا تقهر، إلا أن توحد المسلمين وتماسكهم جعلهم قادرين على دحر هذه القوة وتحقيق النصر، وحين تكررت التحديات بحملات صليبية بدعوى الدين -مع العلم أنه لا يوجد دين يجيز سفك الدماء- تمكنت الأمة مرة أخرى من الانتصار، لأنها كانت متحكمة بوحدتها، ومتمسكة بمنهجها الصحيح، مستندة إلى الإيمان والعدل، وهذا التاريخ يبين أن قوة الأمة ليست في العدد أو السلاح وحده، بل في الالتزام بالمنهج والرشد والتكاتف الداخلي.
الدكتور ربيع الغفير: الوحدة منهج إسلامي راسخ والاعتصام بالله سبيل تحقيق الأمن والسلام
من جانبه، قال الدكتور ربيع الغفير، إن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، كانت قبيلتا الأوس والخزرج تعيشان صراعًا دائمًا، حتى كانت القلوب متوترة وملأها الحقد، فألف بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجلسوا في محبة وألفة، وذات مرة مر عليهم أحد اليهود ورأى هذا المشهد فقال: "يا ويلتنا! إن الأوس والخزرج يتضاحكون!"، فألقى الفتنة بينهم وذكرهم بماضيهم الأليم، فاشتعلت نار الغضب والخصومة في قلوبهم وكادوا أن ينقلبوا إلى القتال، حينها خرج عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: "أتقتلون وأنا بين أظهركم؟"، فنزل قول الحق تعالى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، ليبين القرآن الكريم أن الاعتصام بالله والتمسك بالإيمان سبيل للتماسك ووحدة الصف، وأن الحكمة في تهذيب القلوب والحذر من الفتنة من أعظم وسائل الحفاظ على الأمن والسلام بين الناس.
وأضاف الغفير أن الوحدة هي منهج إسلامي أصيل، أراده الله للأمة منذ بداية الرسالة، وغرس جذوره في القرآن الكريم، فقد بدأ القرآن بتوجيه المؤمنين في فاتحة الكتاب بالدعاء الجماعي بقوله تعالى: "إياكم نعبد"، فاختيار الجمع هنا ليس عبثا، بل إشارة صريحة إلى أن العبادة منهج يربط القلوب ويوحد النفوس، وأن الله عز وجل يريد من أمته أن تكون كيانا واحدا متماسكا، لا تفرقها الخلافات أو الصراعات الشخصية، بل يجمعها شعور مشترك بالمسؤولية والتعاون والتراحم، كما يؤكد القرآن هذه الرسالة في قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة"، لتكون الوحدة امتدادا طبيعيًا للالتزام بالإيمان والعمل الصالح، وتجسيدًا عمليًا لمبادئ الإسلام في الحياة اليومية، سواء في الأسرة أو المجتمع أو الأمة جمعاء.
وبين الغفير أن الوحدة، ليست مجرد شعور بالتماسك، بل منهج من كل فرد أن يتحلى بالصبر والحكمة في التعامل مع الآخرين، وأن يواجه الفتن والاختلافات بروح من التآلف والتعاون، فالاعتصام بالله والتمسك بالتعاليم القرآنية والسنة النبوية هو السبيل لبناء مجتمع قوي، متماسك، قادر على مواجهة التحديات، ونموذج للأمة الواحدة التي تجمعها المحبة والإيمان والعمل الصالح.

