كلما أمسكت قلماً ودفتراً، شعرت أنني عدت إلى نفسي الأولى. أكتب فأخطئ، وأشطب فأعود، والكلمات تتنفس تحت أصابعي كأنها عصفور صغير.
ثم أنقل هذا المخلوق الورقي إلى الآلة الباردة، إلى الشاشة التي تبتلع ما أكتب ولا تترك للحظة الكتابة أثراً. وبعد أن أنتهي، أعود لأكتب من جديد في الدفتر ما كتبته على الشاشة، كأنني أسترد روحي من سجنها الإلكتروني.
فيقول لي الأصدقاء ودهشتهم تملأ أعينهم: أنت تعذب نفسك طواعية! فأبتسم. وأقول في سري: هم لا يعلمون أن هذه الصعوبة هي آخر ما تبقى لي من حرية.
لماذا نقدس السرعة؟
دعوني أبدأ من هنا لماذا جعلنا من السرعة إلهاً نعبده؟ كأن الحياة سباق، ومن يصل أولاً هو الفائز الوحيد. في زماننا هذا، صارت السرعة هي القيمة العليا، وصار البطء عيباً يدعو للشفقة. يريدوننا أن نكتب مباشرة على الشاشة، أن نضغط على الأزرار، أن ننشر قبل أن نتنفس. وكأن الكتابة مجرد أصابع تضرب مفاتيح، وكأن الأفكار تنزل من السماء جاهزة لا تحتاج إلى مخاض ولا ألم.
وأذكر هنا قول الجاحظ: "البيان صبر". والآلة لا تعرف الصبر. الآلة تريد إنجازاً، تريد نتيجة، تريد نصاً نظيفاً مرتباً يخرج من المصنع لا من الروح.
الدفتر الذي أكتب فيه ليس كراسة ورق. هو مرآتي التي تريني حقيقتي.
عندما أكتب بالقلم، أكتب بجسدي كله. يدي تتعب، أصابعي تتشنج، خطي يتغير بين الدقة والعجلة، بين الهدوء والغضب. والورقة تشهد علي. تحفظ ترددي، شطبي، ندمي، وكل فكرة طارت على الهامش كعصفور لا يريد أن يستقر.
الدفتر صادق. لا يضبط خطوطك، ولا يوحد أحجامك، ولا يخفي عيوبك. فيه أنا كما أنا.. بكبريائي وضعفي، بوضوحي وارتباكي.
أما الشاشة فكذوبة كبيرة. تجعل كل شيء متساوياً، تبتلع الشخصية، تمحو الفروق. كل من يكتب على الشاشة يخرج بنص واحد كأنهم يخرجون من قالب واحد. الغني والفقير، العالم والجاهل، يتساوون أمام هذا الحرف الموحد البارد الذي لا روح فيه.
ميلاد ثاني
عندما أنقل كلماتي من الدفتر إلى اللاب توب، لا أنقل فقط. أنا أخلق من جديد.
أنظر إلى ما كتبته بعين الناقد لا بعين الكاتب. ما كان يتدفق حماسة على الورق يخضع هنا لمنطق آخر. أستبعد، أضيف، أعيد الصياغة. كالنحات حين ينظر إلى طينته بعد أن فرغ منها، فيزيد هنا ويحذف هناك.
هذه هي لحظة النضج. الكلمة تولد من الدفتر، ثم تتعمد على الشاشة.
لماذا أعود إلى الدفتر مرة أخرى؟
وهنا يأتي السؤال الذي لا يفهم إجابته أحد: لماذا أعود من جديد فأكتب في دفتر آخر ما كتبته على الشاشة؟
لأنني أريد أن أحفظ. والحفظ عندي ليس استظهاراً. الحفظ عندي هو أن تصير الكلمة جزءاً من جسدي، أن تنمو في دمي، أن أحس بها في عروقي. الكلمة التي أكتبها بيدي مرتين وثلاثاً تصير ملكاً لي لا يستطيع الزمن أن ينزعه مني. في زمن يظنون فيه أن الحفظ هو ضغطة حفظ على برنامج، أو رفع ملف إلى السحابة، أقول لهم: كلا. الحفظ شيء آخر. الحفظ أن تعرف الكلمة كما تعرف وجه أمك، أن تحس بوزنها على لسانك، بثقلها في يدك.
تلك السحابة التي يتحدثون عنها هي سحابة باردة. ليس فيها دفء الورق، ولا رائحة الحبر، ولا تعب الأصابع.
البطء.. طقس العبادة
لقد صار البطء في عصرنا عيباً. ولكنني أسأل: هل كان العظماء يعرفون سرعتنا هذه؟
هل كان الجاحظ يكتب على شاشة؟ هل كان ابن المقفع يرسل مسوداته إلى سحابة إلكترونية؟ هل كان أبو حيان التوحيدي يستخدم برنامجاً للتدقيق الإملائي؟
كانت الكتابة عندهم طقساً. كانوا يمشون ساعات ليسمعوا كلمة. كانوا يكتبون ويشطبون ويمحون ويعيدون. كانوا يبيتون الليالي في مسودة واحدة. لم يكونوا يريدون السرعة، كانوا يريدون الإتقان.
أنا لا أدعو إلى رفض الآلة. الآلة نعمة، لا أنكر هذا. ولكن العيب كل العيب أن نتحول نحن أنفسنا إلى آلات، نقدس السرعة ونحتقر البطء. العيب أن نظن أن القيمة في الكم لا في الكيف، في السريع لا في المتقن.
دفاعاً عن الصعوبة
يقولون لي: "مصعبها على نفسك".
وهم لا يفهمون أنني أبحث عن الصعوبة. لأن الصعوبة هي التي تصنع القيمة. ألم يقل الله: لقد خلقنا الإنسان في كبد ؟ أي في مشقة وتعب.
الصعوبة هي سنة الحياة. وهي طريق الإتقان.
الكتابة السهلة التي تخرج من الآلة مباشرة، كالطعام السريع، يدخل المعدة ويخرج منها بسرعة، لا يترك أثراً. أما الكتابة التي تمر باليد والورق والشاشة والورق، فهي كالطعام الذي يطبخ ببطء على نار هادئة، يتشرب النكهات، ويتغلغل الطعم في عمقه.
أنا أريد لكتاباتي أن تبقى. أريدها أن تعيش بعدي. لذلك أريدها أن تتعذب قليلاً، أن تتعب قليلاً، حتى تستحق الخلود.
ماذا عنكم؟
والآن أدعوكم لتسألوا أنفسكم: كيف تكتبون؟ هل تشعرون بحنين إلى الدفتر والقلم؟ هل تحسون بأن الشاشة تحجب شيئاً من روحكم؟
أنا لا أطلب منكم أن تتركوا أجهزتكم. ولكن أطلب منكم أن تتركوا لأنفسكم مساحة من البطء. جربوا متعة القلم على الورق، ولو مرة واحدة. أحسوا بتلك المقاومة التي تخلق المعنى.
لأن القلم، أيها السادة، ليس أداة. القلم هو امتداد روحكم. والدفتر ليس ورقاً، الدفتر هو ذاكرتكم. فإذا فقدتموهما، فقدتم جزءاً من إنسانيتكم.
أنا مرتاح لهذه الصعوبة. بل أقول لكم إنها ليست صعوبة، إنها لذة. لذة من يختار أن يصنع بيديه لا أن يستهلك بآلة. لذة من يريد أن يترك بصمته لا أن يضيف صورة أخرى إلى المليارات التي تملأ السحاب.
كلما أمسكت قلماً ودفتراً، شعرت أنني أعود إلى نفسي. شعرت أنني أفعل شيئاً إنسانياً حقيقياً. شعرت أنني أكتب بحبر روحي لا بحبر آلة.
فلا تستغربوا إذا رأيتموني أحمل دفتراً أينما ذهبت. ولا تستغربوا إذا رأيتموني أنقل من دفتر إلى شاشة ومن شاشة إلى دفتر. فهذه طريقي، وهذه عبادتي، وهذه حريتي.
والحرية، أيها السادة، لا تقدر بثمن.