أجابت دار الإفتاء المصرية عن تساؤل يمس الكثير من الأسر المسلمة حول الحكم الشرعي في حال وفاة الشخص وهو مستطيع مادياً وبدنياً لكنه لم يؤدِّ فريضة الحج، ومدى إلزامية إخراج تكاليف هذه الشعيرة من ماله الذي تركه لورثته.
وأكدت الفتوى في مطلعها أن الحج يمثل أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو واجب عيني على كل مسلم بالغ وعاقل يمتلك القدرة لمرة واحدة في العمر، مستشهدة بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أرست هذا الفرض وربطته بالاستطاعة.
وفصلت الدار في شروط استقرار وجوب الحج في ذمة الشخص، موضحة أنه لا يكفي مجرد توفر المال، بل يجب أن يتاح للمكلف الوقت والقدرة على السفر من بلده إلى الأراضي المقدسة وفقاً للظروف المعتادة في زمانه.
فإذا توفرت له هذه العوامل ومضت فترة تمكنه من أداء المناسك ولم يفعل حتى وافته المنية، هنا يستقر الفرض في ذمته، أما إذا مات في نفس العام الذي استطاع فيه قبل أن يتمكن زمنياً من السفر، فلا يلزمه القضاء في أحكام الدنيا.
أما بخصوص المختار للفتوى فيما يتعلق بالتركة، فقد أفادت الدار بأن الحج كعبادة بدنية ومالية يسقط بموت الإنسان فيما يتعلق بأحكام الدنيا، بمعنى أنه لا يتم اقتطاع تكاليفه من الميراث بشكل تلقائي كما يحدث مع ديون العباد (مثل القروض ورد المظالم).
وشددت الفتوى على أن الورثة لا يلزمهم إخراج مال للحج عن المتوفى إلا إذا ترك "وصية" صريحة بذلك قبل موته، وفي هذه الحالة يتم تنفيذ الوصية في حدود ثلث التركة فقط، ولا يجوز تجاوز هذه النسبة إلا إذا وافق الورثة جميعاً وكانوا ممن يملكون حق التصرف في أموالهم.
وعللت دار الإفتاء هذا التوجه الفقهي المأخوذ عن مذهبي الحنفية والمالكية بأن العبادات تقوم في جوهرها على نية المكلف واختياره، وبما أن الموت قد غيّب هذا الاختيار، فإن الواجب يسقط في الدنيا وتظل المؤاخذة عليه في الآخرة كحق لله تعالى فرط فيه العبد. وقد جعل الله الوصية فرصة للمسلم لجبر ما فاته من تقصير، فإذا أوصى صار فعل الوكيل (أو الوارث) بمثابة فعله هو.
وفي ختام الفتوى، أشارت الدار إلى أن التشريع المصري سار على هذا النهج الفقهي في القانون رقم 77 لسنة 1943 المتعلق بالموارث، حيث رتب الحقوق المتعلقة بالتركة بتقديم نفقات التجهيز والدفن، ثم ديون العباد، ثم الوصايا.
وأوضحت المذكرة التفسيرية للقانون أن ديون الله كالحج والزكاة لا تُستحق من التركة جبراً إلا إذا أوصى بها الميت، وذلك تماشياً مع قواعد مذهب الإمام أبي حنيفة وتيسيراً على الورثة في تقسيم الميراث.

