قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

بين تايوان وإيران والتجارة.. ماذا حدث خلف الكواليس في لقاء ترامب وشي في الصين؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في لحظة دولية شديدة التعقيد، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، لتتحول الزيارة من مجرد محطة دبلوماسية بروتوكولية إلى حدث سياسي بالغ الدلالة، تتجاوز أبعاده العلاقات الثنائية بين واشنطن وبكين إلى مستقبل النظام الدولي كله. فاللقاء بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم لم يكن مجرد صورة أمام الكاميرات، بل كان محاولة لإعادة ضبط علاقة أصبحت من أكثر العلاقات حساسية وخطورة وتأثيرًا في العالم المعاصر.

وتأتي هذه الزيارة بينما يعيش العالم حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة؛ الشرق الأوسط لا يزال ملتهبًا على وقع المواجهة مع إيران، والتوتر التجاري والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين يزداد تعقيدًا، وملف تايوان يقترب أكثر فأكثر من أن يكون أخطر نقطة احتكاك عسكري محتملة بين القوتين. وفي الخلفية، يواصل الاقتصاد العالمي معاناته من إنهاك ممتد، وارتفاع في معدلات القلق وعدم اليقين، وتراجع في القدرة على التنبؤ بمسار الأشهر المقبلة.

زيارة تتجاوز البروتوكول إلى صلب الصراع الدولي

حين حلّ ترامب في بكين، كان واضحًا أن المشهد يتجاوز كثيرًا فكرة الزيارة التقليدية بين رئيسين. فالعلاقة بين واشنطن وبكين لم تعد مجرد تنافس اقتصادي أو خلاف سياسي عابر، بل أصبحت ساحة صراع على قواعد القرن الحادي والعشرين نفسه: من يملك النفوذ، ومن يحدد الاتجاه، ومن يضع القواعد التي ستُدار بها التجارة والتكنولوجيا والأمن العالمي.

الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على موقع القيادة الذي ورثته بعد الحرب الباردة، فيما ترى الصين أن اللحظة التاريخية مواتية لانتقال أوسع في موازين القوة الدولية، وأن النفوذ العالمي لم يعد حكرًا على واشنطن كما كان في العقود الماضية. وبين هذين المسارين، تتحرك القمة كأنها اختبار حقيقي لصلابة الطرفين وقدرتهما على إدارة الصراع دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

واللافت أن ترامب، الذي ارتبط اسمه طويلًا بخطاب حاد ضد الصين وبالحرب التجارية ورفع الرسوم الجمركية، وصل هذه المرة بصورة أكثر إدراكًا لتعقيدات العلاقة مع بكين. فالرجل الذي رفع سقف المواجهة في سنوات سابقة بدا أكثر واقعية أمام الحقيقة التي لم يعد ممكنا تجاهلها: الصدام المباشر والمتزامن مع الصين وروسيا وإيران في وقت واحد يحمل تكلفة باهظة اقتصاديًا واستراتيجيًا، وربما يفوق قدرة الولايات المتحدة على الاحتمال إذا تحول إلى مواجهة طويلة.

لماذا تذهب واشنطن إلى بكين الآن؟

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا هو.. ماذا تريد الولايات المتحدة من هذه الزيارة؟

الإجابة، وفق قراءة المشهد، ليست واحدة، بل مجموعة من الأهداف العملية المتداخلة. في مقدمة هذه الأهداف تأتي الرغبة في احتواء التوتر الاقتصادي الذي بدأ ينعكس على الأسواق الأمريكية، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى قطاع التكنولوجيا، وعلى الصناعة عمومًا. واشنطن تدرك أن الحرب التجارية المفتوحة مع بكين لم تعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل أصبحت عبئًا متزايدًا على الاقتصاد الأمريكي نفسه، وعلى الشركات الكبرى، وعلى المزاج العام في الأسواق.

ترامب لا يريد أن يبدو متراجعًا أمام الداخل الأمريكي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى تهدئة تُبقي الأسواق مستقرة وتمنع وصول الأزمة إلى مستويات أكثر ضررًا. ولذلك، فإن أي تفاهم جزئي مع الصين في هذا التوقيت سيُقدَّم داخليًا باعتباره انتصارًا دبلوماسيًا، حتى لو كان في الواقع مجرد هدنة مؤقتة.

كما تسعى واشنطن إلى تقليص اندفاع الصين في بعض الملفات الحساسة، سواء المرتبطة بدعم الصناعات التكنولوجية المنافسة للولايات المتحدة أو بتوسيع حضورها العسكري والسياسي في آسيا. فالولايات المتحدة لا تنظر إلى الصين فقط كخصم اقتصادي، بل كقوة صاعدة تنافسها على شكل المستقبل نفسه، من الذكاء الاصطناعي إلى الصناعات الدقيقة إلى النفوذ في الممرات البحرية الحيوية.

الملف الإيراني.. الصين كلاعب لا يمكن تجاهله

من بين أكثر الملفات حساسية في الزيارة، برز الملف الإيراني بوصفه عنصرًا شديد الأهمية في الحسابات الأمريكية. فالإدارة في واشنطن تدرك أن الصين تمتلك مفاتيح ضغط اقتصادية مؤثرة على طهران، بحكم العلاقات النفطية والتجارية الواسعة بين الطرفين، وهو ما يجعل بكين لاعبًا لا يمكن تجاوزه إذا أرادت الولايات المتحدة احتواء التصعيد أو منع تمدده.

وتحاول واشنطن، من خلال هذه الزيارة، دفع الصين إلى لعب دور أكثر وضوحًا في ضبط إيقاع المواجهة مع إيران، أو على الأقل منع انزلاقها إلى مرحلة أوسع وأكثر خطورة. فالحرب في الشرق الأوسط لا تزعج الولايات المتحدة فقط من زاوية أمنية، بل تربك كذلك الاقتصاد العالمي، وتهدد الإمدادات، وتفتح الباب أمام إعادة تشكيل تحالفات إقليمية ودولية قد لا تكون في مصلحة واشنطن.

ولا يخفى أن الولايات المتحدة تنظر أيضًا بقلق إلى مستوى التقارب المتزايد بين الصين وروسيا وإيران. فهذه العلاقات، إذا ما تطورت إلى ما يشبه المحور الدولي المتماسك، فإنها قد تمثل واحدًا من أخطر التحديات أمام النفوذ الأمريكي خلال السنوات المقبلة. ومن هنا، تحاول واشنطن استخدام القمة لتخفيف هذا الاتجاه، أو على الأقل إبطاء وتيرته.

تايوان.. نقطة الاشتعال المحتملة

إذا كان الملف الإيراني يضغط على المنطقة العربية والشرق الأوسط، فإن ملف تايوان يظل الأخطر في الحسابات الآسيوية والعالمية على السواء.

الصين ترى أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، ولا تقبل بأي نقاش حول استقلالها. أما الولايات المتحدة، ورغم التباين أحيانًا في لغة تصريحاتها، فإنها تواصل تقديم الدعم السياسي والعسكري للجزيرة، وتتعامل معها باعتبارها ملفًا بالغ الحساسية في مواجهة بكين.

الصين تدرك أن أي دعم أمريكي متزايد لتايوان يضعها أمام معضلة سيادية لا يمكن تجاهلها. والولايات المتحدة تدرك في المقابل أن أي اضطراب كبير في هذا الملف قد يُشعل أزمة كبرى في منطقة المحيط الهادئ، وربما يؤدي إلى مواجهة لا يريدها أي طرف، حتى لو بقيت واردة في الحسابات العسكرية.

الصين تدخل القمة من موقع مختلف

من الجانب الصيني، لا تدخل بكين القمة بوصفها الطرف الأقل قوة أو الأقل ثقة. فالصين ترى أن ميزان القوة العالمي لم يعد يميل بالكامل إلى واشنطن كما كان في السابق. وهي تعتقد أن الولايات المتحدة باتت أكثر إنهاكًا بسبب تعدد الجبهات المفتوحة أمامها، سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا أو آسيا، وأن الزمن الاستراتيجي بدأ يعمل تدريجيًا لصالحها.

هذا الإدراك يمنح بكين قدرًا أكبر من الثقة في التعامل مع الزيارة. فهي لا تذهب إلى القمة باحثة عن اعتراف سياسي فحسب، بل باعتبارها شريكًا إجباريًا في إدارة النظام الدولي. وبعبارة أخرى، تريد الصين أن تقول للولايات المتحدة إن العالم لم يعد أحادي القطبية، وإن أي معادلة دولية جديدة لا بد أن تمر عبر بكين، لا أن تُصاغ من دونها.

لكن هذه الثقة لا تعني الرغبة في الصدام الشامل. فالصين، مثل الولايات المتحدة، تدرك أن المواجهة المباشرة ستكون شديدة الكلفة. كما أن الاقتصاد الصيني نفسه يواجه تباطؤًا وضغوطًا داخلية، وأي اهتزاز كبير في العلاقة مع واشنطن قد ينعكس على الداخل الصيني وعلى أسواقه وعلى طموحاته التنموية.

ماذا تريد الصين من ترامب؟

إذا كان ترامب يريد من بكين تهدئةً محسوبة، فإن الصين تريد من ترامب شيئًا لا يقل أهمية: الاستقرار، وتخفيف الضغوط، والاعتراف العملي بواقع جديد.

أول ما تريده بكين هو تخفيف الضغوط التجارية والعقوبات التكنولوجية الأمريكية، لأن الاقتصاد الصيني بحاجة إلى مساحة أوسع للحركة بعيدًا عن الحصار الغربي الشامل. الصين تعلم أن المواجهة الاقتصادية مع الولايات المتحدة ليست مجانية، وأن استمرارها في صورة مفتوحة قد يربك النمو ويضغط على القطاعات الحساسة ويزيد كلفة الصعود الصيني.

كما تريد الصين من واشنطن تخفيف مستوى الدعم السياسي والعسكري لتايوان. فالقضية بالنسبة لبكين ليست قضية نفوذ فقط، بل قضية سيادة وطنية لا تقبل المساومة. ولهذا، فإن أي تهدئة حقيقية بين البلدين ستظل مرتبطة بقدرة الطرفين على إدارة هذا الملف دون دفعه إلى حافة الهاوية.

إلى جانب ذلك، تسعى الصين إلى انتزاع اعتراف أمريكي، ولو بشكل غير معلن، بأن العالم لم يعد أحادي القطبية، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع فرض قواعد اللعبة منفردة كما كانت تفعل في عقود سابقة. فبكين تريد تثبيت فكرة أنها لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل قوة عظمى كاملة لها موقعها في صياغة النظام الدولي الجديد.

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.. معركة الحاضر والمستقبل

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين تدور حول التجارة فقط أو النفوذ السياسي فقط، بل انتقلت إلى قلب المستقبل.. إلي التكنولوجيا المتقدمة، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والقدرات الرقمية، والسيطرة على مسارات الإنتاج الجديدة.

وجود شخصيات مثل إيلون ماسك وجنسن هوانغ في الدائرة المحيطة بالزيارة يعكس بوضوح أن واشنطن لم تعد ترى الصراع مع الصين من زاوية عسكرية تقليدية، بل بوصفه معركة على التكنولوجيا التي ستحدد ملامح القرن المقبل. فالمعركة اليوم ليست فقط بين حاملات طائرات وصواريخ، بل بين الرقائق والبرمجيات ونماذج الذكاء الاصطناعي ومنصات البيانات.

الولايات المتحدة تريد الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، لكنها تدرك في الوقت ذاته أن شركاتها العملاقة لا تستطيع تحمل خسارة السوق الصينية بالكامل أو الانفصال التام عنها. والصين، في المقابل، تريد الوصول إلى أحدث التقنيات، معتمدة على قدراتها الصناعية الضخمة وعلى استثماراتها في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والبنية الرقمية الحديثة.

ولذلك، فإن القمة تأتي في لحظة يتصارع فيها الطرفان على تعريف من يملك المستقبل، لا من يملك الحاضر فقط.

القمة ليست نهاية الصراع بل بداية مرحلة جديدة

وربما تكمن أهم دلالة في الزيارة في أنها لا تعني نهاية التنافس الأمريكي الصيني، بل انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيدًا. فالصدام المباشر مكلف للغاية، لكن التراجع الكامل مستحيل أيضًا. ومن هنا، يبدو المشهد أقرب إلى إدارة تنافس طويل الأمد، لا إلى تسوية تاريخية نهائية.

هذه هي طبيعة المرحلة الدولية الراهنة.. الولايات المتحدة لم تعد قادرة على الانفراد المطلق بالقيادة كما حدث بعد الحرب الباردة، والصين لم تصل بعد إلى لحظة الهيمنة الكاملة، بينما تتسع دوائر التوتر من آسيا إلى الشرق الأوسط إلى أوروبا.

ولهذا، فإن زيارة ترامب إلى بكين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد محطة في أجندة سياسية، بل بوصفها علامة من علامات التحول العميق الجاري في بنية النظام الدولي نفسه. فما جرى في بكين ليس مجرد لقاء بين رئيسين، بل مواجهة هادئة بين رؤيتين للعالم، وبين مشروعين يتنازعان المستقبل، وبين قوتين تعرف كل منهما أن العالم لم يعد يحتمل الصدام، لكنه أيضًا لم يعد يسمح بالوهم.

 

في الختام، جاءت زيارة ترامب إلى بكين في لحظة لا تحتمل الرمزية الفارغة، بل تطلب رسائل واضحة وحسابات دقيقة. فالولايات المتحدة تريد تهدئة تخفف الضغوط وتُبقي أوراقها مفتوحة، والصين تريد اعترافًا عمليًا بمكانتها الجديدة، فيما يظل العالم كله في حالة ترقب لما قد ينتج عن هذه القمة من تفاهمات أو توترات جديدة.

وإذا لم تكن الزيارة قد أنهت التنافس بين البلدين، فإنها على الأقل كشفت بوضوح أن العلاقة بين واشنطن وبكين دخلت مرحلة جديدة.. مرحلة لا تستطيع فيها أي قوة أن تتجاهل الأخرى، ولا تملك فيها أي منهما رفاهية الحسم الكامل.