في زحام الحياة ينسى الإنسان أحيانًا حجم النعم التي يعيش بداخلها، يمر على أيامه وكأن الطمأنينة أمر عادي
وكأن الصحة شيء مضمون، وكأن وجود الأحبة حوله حق ثابت لا يمكن أن يتغير.
ثم تأتي لحظة صغيرة تكشف له كم كان غارقًا في رحمة الله دون أن يشعر؛ ولهذا كان الحمد من أرقى المشاعر الإنسانية والنفسية؛ لأن الإنسان حين يمتلئ قلبه بالامتنان يصبح أكثر هدوءًا واتزانًا وأقل صراعًا مع الحياة والناس.
فالروح الشاكرة لا تنشغل كثيرًا بمراقبة ما في أيدي الآخرين، ولا تتحول حياتها إلى سباق مستمر لإثبات التفوق أو جمع الانتباه، لكن المشكلة أن مجتمعاتنا الحديثة أصبحت تقوم على المقارنة أكثر من الرضا
وعلى الاستعراض أكثر من السكينة، حتى تحولت النعمة عند البعض من مساحة شكر إلى مساحة عرض وانتظار للإعجاب.
ومع هذا المناخ النفسي المضطرب ظهر الحسد بشكل أوضح وأقسى، ليس فقط كفكرة دينية أو روحية، بل كحالة نفسية واجتماعية معقدة، فالحاسد في حقيقته ليس دائمًا إنسانًا سيئًا بقدر ما هو شخص مثقل بالمقارنة والشعور بالنقص فيرى نعمة غيره وكأنها تذكير مؤلم بما يفتقده هو.
أما المحسود فغالبًا يكون إنسانًا بسيطًا يعيش حياته بعفوية دون أن يفهم لماذا تتبدل بعض القلوب كلما أشرقت عليه نعمة من الله أو شعر بالسلام والنجاح والاستقرار.
وفي مجتمعاتنا الشرقية تحديدًا، هناك ثقافة متناقضة تربينا عليها، نُطالب فيها بإظهار نجاحنا دائمًا، ثم نُفاجأ بكمية الحسد والضغوط والتدخلات التي تحاصرنا بعدها
ولهذا أصبح من الذكاء النفسي والروحي أن يتعلم الإنسان كيف يفرح دون استعراض، وكيف يحمد الله دون أن يحول حياته إلى معرض مفتوح للجميع، فالستر ليس ضعفًا كما يظن البعض، بل وعي؛ لأن بعض النعم كلما تعرضت للضجيج استنزفت طاقتها وهدوءها وبركتها.
كما أن الإفراط في كشف تفاصيل الحياة يجعل الإنسان يعيش تحت أعين كثيرة، ليست كلها صافية، ولا كلها تتمنى الخير بصدق.
وفي زمن السوشيال ميديا تحديدًا، أصبح البعض يقيس قيمته بكمية ما يعرضه لا بكمية السلام الذي يشعر به
فازدادت المقارنات، وتضخمت الغيرة، وأصبحت النفوس المرهقة تراقب حياة الآخرين أكثر مما تعيش حياتها الحقيقية.
ومن هنا تبدأ الحماية الحقيقية للروح، ليس بالخوف المرضي من الناس، ولا بالشك في كل من حولنا
بل بالقرب من الله، وبالامتنان الهادئ، وبالخصوصية الحكيمة، وبأن يدرك الإنسان أن ليس كل ما يُعرف يُقال
وليس كل ما نملكه يحتاج أن يراه الجميع.
كما أن من أهم وسائل النجاة النفسية أن يتوقف الإنسان عن ربط قيمته بنظرة الناس إليه، فالذي يعيش ليُبهر الآخرين لن يشعر بالشبع أبدًا، أما الذي يعيش ممتنًا لما عنده فسيشعر بالغنى حتى وسط النقص.
غارقون في نعمك يا الله فلك الحمد، الحمد على ما نراه
وما لا نراه، على ما أعطيت، وما منعت، وعلى لطفك الخفي الذي يحمينا من عيون البشر ومن أنفسنا أيضًا
فأجمل النعم ليست تلك التي تلمع أمام الناس، بل تلك الطمأنينة الهادئة التي يضعها الله في القلب، فتجعل الإنسان مطمئنًا حتى وسط فوضى العالم كله.