مع اقتراب يوم عاشوراء الذي يحل هذا العام يوم الخميس الموافق 25 يونيو الجاري، يتزايد اهتمام المسلمين بمعرفة تفاصيل هذا اليوم المبارك، وحكم صيامه، وفضله، وأفضل الطرق لاغتنامه، وهو ما تناوله الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، في شرح موسع تناول فيه الجوانب التاريخية والفقهية والروحية المرتبطة بهذا اليوم.
وأوضح الدكتور علي جمعة أن صيام يوم عاشوراء لم يكن في بدايته مجرد سنة، بل كان فرضًا على المسلمين في المرحلة الأولى من الإسلام، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة المنورة وجد اليهود يصومون هذا اليوم، فسألهم عن سبب صيامهم، فأجابوا بأن هذا يوم نجّى الله فيه سيدنا موسى عليه السلام وقومه من بطش فرعون، فصامه نبي الله موسى شكرًا لله تعالى.
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم بذلك قال: «نحن أولى بموسى منهم»، فصام هذا اليوم وأمر المسلمين بصيامه، تأكيدًا على وحدة الرسالات السماوية، وأن الإسلام امتداد للديانات السابقة في أصل التوحيد والإيمان بالأنبياء.
وأضاف أن هذا الحكم ظل قائمًا لفترة، حيث كان صيام عاشوراء واجبًا على المسلمين، إلى أن أنزل الله سبحانه وتعالى فريضة صيام شهر رمضان في قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، وهنا انتقل الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، ليصبح صيام عاشوراء سنة مؤكدة يُثاب عليها المسلم دون أن يأثم بتركها.
وأكد أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر في صيام هذا اليوم بعد فرض رمضان، حرصًا على فضله العظيم، حيث ورد في الأحاديث النبوية أن صيام يوم عاشوراء يكفر ذنوب سنة كاملة مضت، وهو ما يجعله من أعظم الفرص الإيمانية التي ينبغي على المسلم اغتنامها.
وتحدث جمعة عن مسألة صيام يوم تاسوعاء مع عاشوراء، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد في أواخر حياته أن يضيف اليوم التاسع إلى العاشر، فقال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»، وذلك من باب مخالفة اليهود الذين كانوا يقتصرون على صيام اليوم العاشر فقط، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي قبل أن يحقق ذلك عمليًا.
وبيّن أن العلماء استحبوا بناءً على ذلك صيام يوم التاسع مع العاشر، أو صيام العاشر مع الحادي عشر، أو صيام الأيام الثلاثة معًا، لمن أراد مزيدًا من الأجر والخروج من الخلاف الفقهي، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يجوز صيام يوم عاشوراء منفردًا دون كراهة، وأن من يفعل ذلك ينال الأجر الكامل الوارد في السنة.
وأشار إلى أن الصيام بشكل عام يُعد من أعظم العبادات التي تقرب العبد إلى ربه، لما له من تأثير عميق في تهذيب النفس وتطهير القلب، حيث يعمل على كسر الشهوات، وتنقية الروح، وزيادة الإخلاص، وهو ما يجعل يوم عاشوراء فرصة عظيمة لبداية صفحة جديدة مع الله في مطلع العام الهجري.
وتطرق جمعة إلى بعض الجوانب الاجتماعية المرتبطة بهذا اليوم، لافتًا إلى أن المصريين اعتادوا تحويل المناسبات الدينية إلى مظاهر تجمع بين العبادة والفرح، حيث تنتشر عادة إعداد طبق "عاشوراء" وتوزيعه على الأهل والجيران، في صورة تعكس روح التكافل والمحبة داخل المجتمع.
كما أشار إلى ما ورد عن بعض السلف بشأن التوسعة على الأهل يوم عاشوراء، حيث نُقل عن بعض العلماء أنهم جربوا ذلك فوجدوا فيه بركة في الرزق طوال العام، مؤكدًا أن إدخال السرور على الأسرة من الأعمال المستحبة التي تحمل معاني إنسانية ودينية عظيمة.
واستشهد جمعة بما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة ورأى اليهود يصومون يوم عاشوراء قال: «ما هذا؟»، فقالوا: هذا يوم صالح، نجّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى، فقال النبي: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه، وهو الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
واختتم الدكتور علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن يوم عاشوراء يمثل محطة إيمانية مهمة في حياة المسلم، ينبغي اغتنامها بالصيام، والإكثار من الذكر، والدعاء، والعمل الصالح، مشددًا على أن هذه الأيام المباركة تعد فرصة حقيقية لمراجعة النفس وتجديد العهد مع الله، خاصة مع بداية عام هجري جديد يسعى فيه كل مسلم إلى التقرب إلى الله وتحقيق الاستقامة.

