لم يكن تراجع الذهب خلال الأشهر الماضية مجرد تصحيح عابر في الأسعار، بل كان أقرب إلى إعلان واضح بأن قواعد تسعير المعدن الأصفر لم تعد كما اعتادها المستثمرون لسنوات طويلة.
ففي 29 يناير 2026 سجلت الأوقية في البورصة العالمية أعلى مستوى في تاريخها عند 5626 دولارًا، مدفوعة بمزيج من التوترات الجيوسياسية، ومشتريات البنوك المركزية، وتوقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، وفي السوق المصرية، واصل الذهب صعوده حتى سجل جرام الذهب عيار 21 أعلى مستوى تاريخي عند 7600 جنيه في 2 مارس، قبل أن تنقلب الصورة تمامًا خلال أشهر قليلة.
ومع تغير توقعات الأسواق بشأن السياسة النقدية الأمريكية، ومواجهة التضخم المرتفع، هبطت الأوقية إلى ما دون 4000 دولار، فاقدةً أكثر من 1600 دولار من قيمتها، بنسبة تقترب من 29% من أعلى مستوياتها التاريخية، وفي مصر، تراجع سعر جرام الذهب عيار 21 إلى نحو 5600 جنيه، منخفضًا بنحو 2000 جنيه عن ذروته، بنسبة تقترب من 26%.
والأكثر دلالة أن الذهب، عالميًا ومحليًا، محا بالكامل المكاسب التي حققها منذ بداية العام، ليعود إلى مستويات أقل من أسعار افتتاح 2026، في مشهد لم يكن مألوفًا لكثير من المتعاملين الذين اعتادوا النظر إلى الذهب باعتباره الأصل الذي يرتفع كلما زادت اضطرابات العالم.
والسؤال هنا لا يتعلق بالهبوط وحده، وإنما بما وراءه: كيف يفقد الذهب كل هذه المكاسب بينما لم يصبح العالم أكثر استقرارًا؟ ولماذا لم تعد الحروب والتوترات وحدها كافية لدفع المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية كما كان يحدث في مراحل سابقة؟
الحقيقة أن الذهب لم يفقد مكانته، لكنه أصبح يتحرك داخل بيئة مالية أكثر تعقيدًا، ففي الماضي، كان المستثمرون يربطون بين الأزمات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الذهب بصورة شبه مباشرة؛ حرب أو أزمة مالية أو اضطراب سياسي يعني طلبًا أكبر على الملاذات الآمنة، أما اليوم، فقد أصبحت الأسواق تسأل أولًا عن اتجاه أسعار الفائدة، وقوة الدولار، وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، قبل أن تحدد موقفها من الذهب.
فالذهب، بطبيعته، أصل لا يدر عائدًا لحائزه، لذلك، عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة، يصبح الاحتفاظ به أكثر جاذبية، لأن تكلفة الفرصة البديلة تكون محدودة، أما عندما ترتفع الفائدة، أو تزداد التوقعات ببقائها مرتفعة لفترة أطول، فإن السندات وأدوات الدخل الثابت تصبح أكثر إغراءً للمستثمرين، لأنها تمنح عائدًا مباشرًا، في حين يبقى الذهب أصلًا يعتمد مكسبه على ارتفاع السعر فقط.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تغيرت حركة الذهب بهذا العنف، فالمعدن الأصفر لم يهبط لأن العالم أصبح أكثر هدوءًا، وإنما لأنه دخل في مواجهة مباشرة مع توقعات السياسة النقدية الأمريكية، ومع عودة الأسواق إلى تسعير احتمال استمرار الفائدة المرتفعة، بل وإمكانية رفعها مرة أخرى، تعرض الذهب لضغوط قوية، خصوصًا مع صعود الدولار الأمريكي وارتفاع العوائد الحقيقية على السندات.
والدولار هنا ليس عاملًا هامشيًا، فكلما ارتفعت العملة الأمريكية، أصبحت الأوقية أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من خارج الولايات المتحدة، وهو ما يضغط على الطلب العالمي، ولهذا بدا الذهب في الأشهر الأخيرة وكأنه يتحرك عكس اتجاه الدولار أكثر من تحركه مع عناوين الأخبار السياسية، لم تعد الأزمة وحدها تكفي لدفع الأسعار إلى الصعود، ما لم تكن مصحوبة بتراجع في الدولار أو انخفاض في العوائد أو تحول واضح في سياسة الفيدرالي.
لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى المفارقة الكبرى في السوق، ففي الوقت الذي يقلص فيه بعض المستثمرين الماليين حيازاتهم من الذهب تحت ضغط الفائدة والدولار، تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء المعدن الأصفر بوتيرة قوية، فقد بلغ صافي مشتريات البنوك المركزية من الذهب نحو 244 طنًا خلال الربع الأول من 2026، وهو رقم يؤكد أن المؤسسات السيادية لا تزال ترى في الذهب أصلًا استراتيجيًا طويل الأجل، لا مجرد أداة للمضاربة قصيرة الأجل.
هذه المفارقة تشرح جانبًا مهمًا من المشهد، فالمستثمر قصير الأجل ينظر إلى الذهب من زاوية العائد اليومي وحركة الدولار والفائدة، بينما تنظر البنوك المركزية إليه باعتباره أداة لتنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على العملات الرئيسية والتحوط من المخاطر الممتدة.
أما في السوق المصرية، فقد كان الهبوط أكثر تعقيدًا، فالأسعار المحلية لم تتراجع فقط بفعل انخفاض الأوقية عالميًا، وإنما تأثرت أيضًا بانحسار العلاوة السعرية التي كانت قد اتسعت خلال فترات اضطراب السوق، ومع تحسن المعروض نسبيًا واستقرار سوق الصرف مقارنة بالفترات السابقة، تراجعت الفجوة بين السعر المحلي والسعر العالمي، فاجتمع عاملان ضاغطان في وقت واحد: هبوط الأوقية عالميًا، وانكماش العلاوة محليًا.
ولهذا جاءت خسائر الذهب في مصر حادة، فقد تراجع جرام الذهب عيار 21 من ذروته التاريخية عند 7600 جنيه إلى نحو 5600 جنيه، بما يعادل نحو 2000 جنيه للجرام، وهي خسارة كبيرة في فترة زمنية محدودة، ولم يكن ذلك انعكاسًا مباشرًا لهبوط الأوقية وحدها، بل كان نتيجة تصحيح مزدوج في السوقين العالمي والمحلي معًا.
ولا يعني ذلك أن الذهب فقد دوره التاريخي في حفظ القيمة، فالتجربة المصرية نفسها تؤكد أن الذهب كان خلال سنوات اضطراب العملة أحد أهم أدوات حماية المدخرات، خاصة في فترات 2022 و2023، عندما ساعد كثيرين على الحفاظ على جزء كبير من القوة الشرائية لأموالهم، لكن ما يجب إدراكه أن الذهب لا يتحرك في خط مستقيم، ولا يصعد بلا توقف، كما أنه لا يهبط إلى الأبد. إنه أصل عالمي يتأثر بالسياسة النقدية، وبالدولار، وبحركة السيولة، وبثقة المستثمرين، وبالعرض والطلب المحليين.
ولعل الدرس الأهم من موجة 2026 أن متابعة سعر الذهب لم تعد مسألة محلية فقط، ولا تكفي فيها مراقبة حركة البيع والشراء داخل السوق المصرية، فالسعر الذي يراه المواطن على شاشة الهاتف أو داخل محال الصاغة يبدأ في جانب كبير منه من واشنطن، حيث قرارات الاحتياطي الفيدرالي، ومن سوق السندات الأمريكية، حيث تتحدد العوائد، ومن حركة الدولار، حيث تتغير شهية المستثمرين حول العالم.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، لم يعد الذهب يتحرك كما اعتدنا، لأن العالم المالي نفسه لم يعد كما كان، فالأسواق أصبحت أكثر سرعة في تسعير التوقعات، وأكثر حساسية للفائدة والدولار، وأقل اندفاعًا وراء العناوين السياسية وحدها، ومع ذلك، يبقى الذهب أصلًا مهمًا في أوقات عدم اليقين، لكنه يحتاج إلى قراءة هادئة لا تنخدع بالارتفاعات، ولا تفزع من التراجعات.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل انتهى صعود الذهب؟ بل: هل تغيرت الأسباب الأساسية التي دفعت العالم إلى امتلاك الذهب؟ وحتى الآن، لا تزال البنوك المركزية تشتري، ولا تزال الديون العالمية مرتفعة، ولا تزال المخاطر الجيوسياسية قائمة، ولا تزال الثقة في العملات الورقية تتعرض لاختبارات متكررة، غير أن الطريق إلى الصعود لم يعد مفتوحًا بلا عوائق، بل صار يمر أولًا عبر بوابة الفائدة الأمريكية والدولار وأسواق السندات.
وبقدر ما يبدو الهبوط الحالي قاسيًا، فإنه يكشف حقيقة مهمة: الذهب لم يتغير في جوهره، لكن طريقة تسعيره تغيرت، ومن لا يقرأ هذه الحقيقة جيدًا، سيظل ينتظر من الذهب أن يتحرك كما كان يتحرك بالأمس، بينما الأسواق تعيش اليوم بقواعد جديدة تمامًا.
د. وليد فاروق يكتب: كيف غيّرت أسعار الفائدة والدولار قواعد سوق الذهب عالميًا ؟