أوضحت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي لتقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن والمشايخ والأجداد، مؤكدة أن هذا الفعل من صور التوقير والاحترام التي جاءت السنة النبوية بإقرارها، وعرفها الصحابة- رضي الله عنهم- في تعاملهم مع النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-، وفيما بينهم.
وأكدت الدار أن تقبيل اليد لا يقتصر حكمه على العلماء فقط، بل يشمل من يستحق التوقير بسبب سنه أو علمه أو مكانته الدينية أو الاجتماعية، موضحة أن الشريعة الإسلامية جاءت بإتمام مكارم الأخلاق والدعوة إلى احترام الكبير والعالم ورحمة الصغير.
واستشهدت دار الإفتاء بقول النبي- صلى الله عليه وآله وسلم-: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»، وهو ما يؤكد أن حسن التعامل والتوقير والاحترام من المعاني التي حث عليها الإسلام وجعلها من مكارم الأخلاق.
توقير الكبير والعالم من مكارم الأخلاق
وبيّنت الدار أن من صور حسن الخلق أن يقدّر الإنسان من هو أكبر منه سنًا أو أعلى منه علمًا أو مكانة، وأن يعامل كل شخص بما يتناسب مع قدره، فيحظى الصغير بالرحمة والرفق، ويحصل الكبير والعالم على التوقير والتقدير.
واستشهدت بما ورد عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ»، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».
وأوضحت الدار أن معنى هذه النصوص هو ضرورة مراعاة حقوق كل فئة بما يتناسب مع مكانتها، فيُعامل الصغير بالرحمة والشفقة، بينما يكرم الكبير ويوقر، ويُعترف للعالم بفضله ومكانته.
ونقلت دار الإفتاء عن العلامة زين الدين المناوي في كتابه «فيض القدير» أن لكل من الكبير والصغير حقًا ينبغي مراعاته، فالصغير يحتاج إلى الرفق والرحمة، أما الكبير فله حق الشرف والتوقير، بما يعكس منظومة الأخلاق التي دعا إليها الإسلام.
هل تقبيل اليد من مظاهر التوقير؟
وأشارت دار الإفتاء إلى أن تقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن والمشايخ والأجداد يعد من أبرز صور التوقير، ويدخل ضمن الآداب المندوبة التي وردت فيها نصوص من السنة النبوية.
ولفتت إلى أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقبلون يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُنقل أنه أنكر عليهم هذا الفعل، مستشهدة بما ورد عن السيدة عائشة رضي الله عنها في وصف تعامل السيدة فاطمة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانت تستقبله وتقبل يده عند دخوله عليها.
كما استشهدت بما رواه زارع العبدي رضي الله عنه، حين ذكر أنه وأفراد وفد عبد القيس عندما قدموا إلى المدينة كانوا يتسابقون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقبلون يده ورجله.
ونقلت كذلك رواية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، تفيد بأن الصحابة قبلوا يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بما يبين أن هذا الفعل كان معروفًا في ذلك العصر.
وأكدت الدار أن تقبيل اليد لم يكن خاصًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما عرفه الصحابة فيما بينهم أيضًا، باعتباره وسيلة للتعبير عن الاحترام والتوقير، مشيرة إلى ما روي عن تميم بن سلمة أن أبا عبيدة رضي الله عنه قبل يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وأوضحت أن هذا الأثر وغيره يدل على أن تقبيل يد صاحب المكانة كان معروفًا بين الصحابة، ونُقل عن بعضهم وصف تقبيل اليد بأنه من السنة.
أقوال الفقهاء في حكم تقبيل اليد
وأكدت دار الإفتاء أن أقوال عدد من الفقهاء جاءت مؤيدة لجواز تقبيل يد العلماء والصالحين، بل استحبابه في مواضع يكون فيها المقصود هو التوقير والتكريم، مع مراعاة أن يكون الأمر في إطاره المشروع بعيدًا عن المبالغة أو التذلل المذموم.
وذكرت أن العلامة ابن مودود الموصلي الحنفي نص على أنه لا بأس بتقبيل يد العالم والسلطان العادل، مستندًا إلى ما ورد من فعل الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما نقل عن سفيان بن عيينة قوله إن تقبيل يد العالم والسلطان العادل سنة.
وفي الفقه المالكي، نقلت الدار عن ابن بطال أن تقبيل اليد يكره إذا كان متعلقًا بالظلمة والجبابرة، بينما يجوز تقبيل يد الأب والرجل الصالح ومن ترجى بركته، وهو ما يوضح أن الحكم يرتبط بشخص من تُقبل يده والغاية من هذا الفعل.
كما نقلت عن العلامة العدوي أن تقبيل اليد في هذه الحالات لا يقتصر على مجرد الإباحة، بل قد يحمل معنى الندب لما يتضمنه من زيادة البر بالوالدين وطلب البركة من الصالحين.
وأشار الإمام النووي في «المجموع» إلى استحباب تقبيل يد الرجل الصالح والزاهد والعالم وأهل الآخرة، بينما ذكر العلامة البهوتي الحنبلي أن تقبيل اليد والرأس يجوز بقصد التدين والإكرام والاحترام.
ولفتت دار الإفتاء إلى أن بعض العلماء أفردوا هذه المسألة بمؤلفات خاصة، ومن بينهم العلامة عبد الله بن الصديق الغماري، الذي وضع كتابًا بعنوان «إعلام النبيل بجواز التقبيل»، جمع فيه الأدلة المتعلقة بجواز تقبيل اليد وغيرها من صور التكريم.
حكم تقبيل يد العلماء والوالدين وكبار السن
وخلصت دار الإفتاء المصرية إلى أن تقبيل يد العلماء والصالحين والوالدين وكبار السن والمشايخ والأجداد من صور التوقير المندوبة، وقد دلت على مشروعيته السنة التقريرية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إلى جانب ما ثبت من أفعال الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومع بعضهم البعض.
وأكدت الدار أن هذا السلوك يندرج ضمن منظومة احترام الكبير وتوقير أهل العلم وأصحاب الفضل، وهي قيم أكدت عليها الشريعة الإسلامية ودعت إلى المحافظة عليها في التعامل بين أفراد المجتمع.



