قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. جمال القليوبي يكتب: انخفاض أسعار النفط مستهدف لحماية اقتصاد دول بعينها من الإفلاس !

د. جمال القليوبي - أستاذ هندسة البترول والطاقة
د. جمال القليوبي - أستاذ هندسة البترول والطاقة

مازال انخفاض أسعار النفط يثير الاستغراب لدي المفكرين والاقتصاديين وكذلك صناع القرار في كل دول العالم حيث أن ذلك الانخفاض لم يكن محض صدفة أو استهداف متعمد فكلا الخيارين يعني في أسواق النفط أن هناك أسبابا بالغة الصعوبة لتقييمها والوقوف علي معرفتها بوضوح ، فسوق النفط يتأثر بعشرات المتغيرات المتشابكة منها دبلوماسية، جيوسياسية، مالية، وموسمية. 

لكن حين تجتمع كل هذه العوامل متمثلة في انفراج في هرمز، وتحركات سعودية وإماراتية استباقية نحو آسيا، وكذلك قرار جماعي بزيادة الإنتاج، وايضاً التحذيرات من أن جهناك فائض قادم وكل ذلك مجتمع في آن واحد وفي نافذة زمنية واحدة.

 لذا يصبح من الصعب اعتبار الانخفاض الحالي مجرد صدفة سوقية بحتة. 
بل ان الأرجح فيما نشهده هو مزيج من الاثنين معاً: تراجع طبيعي مدفوع بتحسن الإمدادات وتراجع المخاطر الجيوسياسية، ممزوج باستراتيجية واعية من كبار المنتجين لإعادة رسم موازين القوى في سوق الطاقة العالمي قبل أن تتغير قواعد اللعبة بشكل جذري مع مراجعة أوبك+ المرتقبة لخطوط الأساس الإنتاجية عام 2027.


ولكي نحلل مستوي هذا الانخفاض زمنيا ، فمنذ مطلع يوليو الجاري، تواصل أسعار النفط العالمية تراجعها للمرة الثالثة على التوالي، حيث هبط خام برنت إلى ما دون 71 دولاراً للبرميل، وتراجع خام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون 68 دولاراً، في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه استمرار طبيعي لتقلبات السوق. لكن حين ننظر إلى تسلسل الأحداث خلال الأشهر الأخيرة، يصعب تجاهل فكرة أن هذا الانخفاض ليس محض صدفة، بل نتيجة تقاطع مقصود بين عدة قرارات وسياسات، بعضها من صنع اللاعبين الكبار في السوق أنفسهم واقصد هنا دول ال G20 الصناعية والتي عانت خلال فترات الغزو الأمريكي علي ايران وتلغيم مضيق هرمز من قبل الحرس الثوري الإيراني وغلق المضيق لفترات كثيرة ، ولذلك حرصت كثير من الدول الكبري الي اللجوء الي مخزوناتها الاستراتيجيه كي تحافظ علي أنشطتها الصناعية والتجارية واستنفذت جزء كبير منه املا في عدم شراء النفط في ذره اسعار التي تخطت ال١٢٠ دولارا وكذلك حرصا منها علي اقتصاديتها.
وخلال غلق المضيق وفترات التفاوض من اجل الاتفاق بين امريكا وايران بواسطة باكستانيه ظهر الكثير من التقلبات الحادة في سوق الطاقة، إذ قفزت الأسعار إلى مستويات لم تُشهد منذ سنوات مع اندلاع التوترات في مضيق هرمز، قبل أن تتراجع تدريجياً مع تباشير الانفراج الدبلوماسي. فمنذ توقف الحرب في يونيو الماضي، والمحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، التي استضافتها الدوحة مؤخراً، تسير في اتجاه إيجابي بحسب ما أعلنته الخارجية القطرية، وهو ما أعاد الطمأنينة إلى الأسواق بشأن استمرار تدفق الإمدادات عبر أحد أهم الممرات النفطية في العالم. هذه التهدئة الجيوسياسية وحدها كانت كفيلة بالضغط على الأسعار هبوطاً. لكنها لم تكن العامل الوحيد. 
وبالتوازي مع تلك الانفراجة ، اعلن تحالف “أوبك+” إلى تأكيد زيادة جديدة في مستهدفات الإنتاج اعتباراً من أغسطس المقبل بنحو 188 ألف برميل يومياً، لتكون الزيادة الخامسة على التوالي منذ أبريل، ليصل إجمالي ما أعادته الدول السبع الرئيسية في التحالف إلى نحو مليون برميل يومياً. وهذا يأتي في سياق خطة أوسع للتخلي التدريجي عن التخفيضات الطوعية البالغة 1.65 مليون برميل يومياً التي بدأ تطبيقها منذ 2023.
هنا يكمن جوهر التساؤل: هل تكتفي أوبك+ بمتابعة السوق والاستجابة لتحسن الإمدادات، أم أنها تنتهج عمداً سياسة استعادة الحصة السوقية على حساب الأسعار، بعد سنوات من كبح الإنتاج لصالح المنافسين؟ فالمملكة العربية السعودية بدأت فعلياً بزيادة صادراتها إلى آسيا، وباعت أرامكو كميات على أساس فوري لعملاء في الصين واليابان وكوريا الجنوبية، في خطوة غير معتادة لشركة تعتمد تقليدياً على العقود طويلة الأجل.

 كما استأنفت التحميل من ميناء رأس تنورة، أكبر منافذ التصدير في الخليج. وحذت أبوظبي حذوها عبر تكثيف مبيعاتها الفورية.
هذه التحركات مجتمعة لا تبدو ردة فعل عابرة، بل تشي بتوجه استراتيجي نحو استعادة النفوذ في الأسواق الآسيوية، حتى لو كان الثمن مزيداً من الضغط على الأسعار عالمياً.

وقد وجهت تحذيرات من وكالة الطاقة الدولية من ان هناك فائض قياسي متوقع، مع تراجع الاستيراد في الصين وارتفاع الإنتاج في الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، تضيف بعداً آخر للصورة. فحين تتوقع مؤسسات مثل “جولدمان ساكس” فائضاً يقترب من ملايين البراميل يومياً خلال العام، يصبح من المنطقي أن تتساءل: هل تسعى الدول المنتجة الكبرى إلى ضبط السوق بما يخدم مصالحها الخاصة، عبر توقيت زيادة الإنتاج في اللحظة التي يتراجع فيها الطلب أصلاً؟ أم أن الأمر مجرد تزامن غير مقصود بين عودة الإمدادات وتباطؤ الاستهلاك؟ اما ان استمرار الاعتماد علي المخزون الاستراتيجي وعدم الاستيراد يستهدف منه استقرار سلاسل الإمدادات وتشبع السوق والسعي الي الانخفاض الطوعي للأسعار النفط . 


ولذا يكون السؤال من يستفيد من الانخفاض ؟ من الناحية الاستهلاكية، الانخفاض له وجه إيجابي واضح: فقد بدأت دول مثل الإمارات بالفعل بخفض أسعار الوقود المحلي في يوليو، وخفضت أرامكو أسعار التصدير لآسيا، بينما لجأت دول أخرى مثل الهند إلى تعديلات ضريبية لضبط الأثر المحلي لتقلبات السوق. لكن في المقابل، الدول المصدّرة التي تعتمد موازناتها على عائدات النفط تجد نفسها أمام معادلة صعبة: تراجع الإيرادات مقابل استعادة الحصة السوقية.


وربما يكمن جزء من الإجابة هنا: فحين تكون بعض الدول المنتجة الكبرى في وضع مالي يسمح لها بتحمل أسعار أقل لفترة، بينما تعاني دول منافسة، صغيرة الإنتاج أو مرتفعة التكلفة كإنتاج النفط الصخري الأميركي، من ضغوط أكبر عند انخفاض الأسعار عن حد معين، فإن استمرار ضخ الإمدادات قد يكون بمثابة أداة ضغط تنافسي غير معلنة، وليس مجرد استجابة آلية لتوازنات العرض والطلب بل هناك دول تستهدف الوصول بانخفاض الاسعار من اجل الشراء لتعويض المخزونات الاستراتيجية لتلك الدول التي تريد حماية اقتصادها .. وإلى تكمله قادمة.